وقفات مع آيات (6) قوله -تعالى-: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- حتى الذي بلغ منهم الفقر غايته ولا يملك شيئًا يتصدق به: قال عُلبة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنه-: "اللهم إنه ليس عندي ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عِرْض"، ثم أصبح مع الناس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ) فقام عُلبة -رضي الله عنه-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَبْشِرْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني) .
- وهكذا بذل الصحابة غنيهم وفقيرهم -رضي الله عنهم- ما يملكون، يقينًا بأن الله سيجازيهم على ذلك:
(3) مِن مناقب أبي عقيل الأنصاري -رضي الله عنه-:
- أبو عقيل هو الذي لمزه المنافقون لما جاء بصاعٍ من تمرٍ صدقة: فأنزل الله -تعالى- فيه الآية.
- قُتل أبو عقيل -رضي الله عنه- يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصّديق: ذكر ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن أسلم الهَمْداني، قال: لما كان يوم اليمامة، واصطفّ الناس للقتال، كان أوّل الناس جُرح أبو عَقيل الأنيفي، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشَطَبَ في غير مَقْتَلٍ، فأُخْرِجَ السهم، ووهن له شقّه الأيسر لما كان فيه، وهذا أوّل النّهار وجُرّ إلى الرّحل فلمّا حَمِيَ القتال وانهزم المسلمون، وجازوا رحالهم، وأبو عقيل واهنٌ من جُرحه، سمع مَعن بن عديّ يصيح بالأنصار: الله، الله، والكَرَّةَ على عدوّكم، وأعنق مَعن يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخْلِصُونَا أخْلِصُونَا، فأخْلَصُوا رجلًا رجلًا يُمَيّزُون. قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عَقيل قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نّوه المنادي باسمي! قال ابن عمر: فقلتُ: إنّما يقول: يا للأنصار، لا يعني الجرحى. قال أبو عَقيل: أنا رجل من الأنصار وأنا أجيبه ولو حَبْوًا! قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرّدًا، ثمّ جعل ينادي: يا للأنصار ... كَرّةً كيوم حُنين! فاجتمعوا -رحمهم الله جميعًا- يقدِّمون المسلمين دُرْبَةً دون عدوّهم، حتى أقحموا عدوّهم الحديقةَ فاختلطوا، واختلفت السيوف بيننا وبينهم. قال ابن عمر: فنظرتُ إلى أبي عَقِيل، وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب، فوقع على الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا كلّها قد خلصت إلى مقتل، وقُتل عدوّ الله مُسيلمة. قال ابن عمر: فوقفتُ على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت: أبا عقيل فقال: لبّيك، بلسان مُلْتَاث، لمَن الدّبْرة؟! قال: قلتُ أبْشر، ورفعتُ صوتي، قد قُتل عدوّ الله، فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله. قال ابن عمر: فأخبرتُ عمر بعد أن قدمتُ خبرَه كلّه، فقال: رحمه الله ما زال يسأل الشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمتُ من خيار أصحاب نبيِّنا -صَلَّى الله عليه وسلم-، وقديمَ إسلامٍ" (الطبقات الكبرى لابن سعد، 3/362) .
خاتمة:
- تذكير بالآية وقصة النزول، مع الإشارة إلى التفسير العام ليشمل المعنى كل مكان وزمان.
نسأل الله أن يجعل كيد المنافقين في نحورهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وكان هذا البعث عندما أراد الخروج الى تبوك، وكان يريد -صلى الله عليه وسلم- جمع نفقات المعركة التي تأتى في ظروف شديدة الصعوبة كما سمَّاها القرآن وهو يثني على الصحابة: ( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) (التوبة:117) ؛ ولذلك سُمِّي بجيش العسرة.
(2) وفي الرواية الأخرى: "وأقبل رجل من فقراء المسلمين من الأنصار، يُقَال له: الحبحاب أبو عقيل، فقال: يا نبي الله، بِتّ أجرُ بالجَرِير على صاعين من تمر؛ فأما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا. فقال له المنافقون: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل!" (الطبقات الكبرى لابن سعد، 3/362) .