الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (32)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قوله -تعالى-: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ . أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (البقرة:139-141) .
لم تزل الخصومة والمجادلة -ولن تزال- بين أهل الملل الثلاثة: (الإسلام واليهودية والنصرانية) الباقية إلى قُرب يوم القيامة، إلى زمن نزول المسيح -صلى الله عليه وسلم-؛ ليبطل جميع الملل إلا ملة الإسلام.
وتكون الملة على عهده واحدة، وأما قبل ذلك فلا تزال الخصومة والمحاججة كما أثبتها القرآن في هذه الآية الكريمة وفي غيرها؛ فمَن زعم مِن أهل زماننا مساواة هذه الملل الثلاثة، وأنها كلها حق، وأنها بمنزلة المذاهب داخل الدين الواحد؛ فقد خالف صريح القرآن، بل في الحقيقة نقض أصل الشهادتين عنده؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن أهل الديانتين: اليهودية والنصرانية -بعد التحريف- يعبدون غير الله، ولا يتبرؤون من عبادة غير الله، قال الله -تعالى-: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:30-33) .
فوصفهم الله -عز وجل- بأنهم يشركون، ووصفهم بالكافرين والمشركين، وأنهم عبدوا غير الله -سبحانه وتعالى-، كما أن الفريقين يكذِّبان محمدًا -صلى الله عليه وسلم- والقرآن العظيم، ومَن صدقه منهم فيقول: هو رسول إلى العرب فقط، ولا يلزمنا اتباعه! وهذا من أعظم التناقض؛ فلو كان رسولًا فقد صدق فيما قال عن رسالة ربه إليه، قال -عز وجل-: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (الأعراف:158) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ في قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ) (متفق عليه) .
فلم تزل الخصومة قائمة باختلاف هذه الملل عن بعضها البعض في الأصلين العظيمين -الإلهية والنبوة-؛ فكيف يزعم البعض أن لا خلاف، أو يزعم أن الخلاف بينها دينامكي وليس في الأصول؟! إلى الله المشتكى.
وأما معنى قوله -تعالى-: ( وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) أي: أنه المستحِق للعبادة، والواجب علينا وعليكم الإيمان بربوبيته وحده، وعبادته وحده، لا أنهم يفعلون ذلك في حقيقة الأمر، كما سبق بيان الآية الكريمة ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) (التوبة:31) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ... ) الآية. يقول الله -تعالى- مرشدًا نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- إلى درء مجادلة المشركين: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ) أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره، ( وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! ( وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ( وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) (يونس:41) ، وقال -تعالى-: ( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (آل عمران:20) ، وقال -تعالى- إخبارًا عن إبراهيم: ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ? قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ... ) (الأنعام:80) ، إلى آخر الآية. وقال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ) (البقرة:258) ، وقال في هذه الآية الكريمة: ( وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) أي: نحن برآء منكم كما أنتم برآء منا، ( وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) أي: في العبادة والتوجه" (انتهى من تفسير ابن كثير) .
وقوله -رحمه الله-: "درء مجادلة المشركين": يعني بذلك مشركي أهل الكتاب الذين وصف الله صفتهم، ومما يوضِّح ذلك: قول ابن جرير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية.