شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (32)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قال أبو جعفر -رحمه الله-: " يعني -تعالى ذكره- بقوله: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ) قل يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا، وزعموا أن دينهم خيرٌ من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم؛ لأنه كان قبل كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم، ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقابُ، والجزاءُ على الأعمال؛ الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم بالله أولى منا من أجل أن نبيكم قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربكم وربنا واحدٌ، وأن لكلِّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها، يجازَى عليها فيُثَابُ أو يُعَاقَبُ؛ لا على الأنساب، وقِدمَ الدِّين والكتاب. ويعني بقوله: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا ) قل أتخاصموننا وتجادلوننا؟ ونقل ذلك عن مجاهد وابن زيد وابن عباس.

ثم قال: فأما قوله: ( وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) فإنه يعني: ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة، لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد غيره أحدًا، كما عبد أهل الأوثان معه الأوثانَ، وأصحاب العِجل معه العجلَ.

وهذا من الله -تعالى ذكره- توبيخٌ لليهود، واحتجاج لأهل الإيمان، بقوله -تعالى ذكره- للمؤمنين من أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: قولوا -أيها المؤمنون لليهود والنصارى الذين قالوا لكم: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: ( أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ )؟ يعني بقوله: ( فِي اللَّهِ )، في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدين به، وربنا وربكم واحدٌ عدلٌ لا يجور، وإنما يجازي العبادَ على ما اكتسبوا. وتزعمون أنّكم أولى بالله منا؛ لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحنُ مُخلصون له العبادة، لم نشرك به شَيئًا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا وأولى بالله؟! (انتهى من تفسير ابن جرير) .

قوله -تعالى-: ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (البقرة:140) .

تأكيدٌ على ما سبق بيانه من أن دين إبراهيم ويعقوب وإسحاق والأسباط كان هو الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية، وأن الله هو الذي حكم بذلك؛ ولأن اليهودية والنصرانية كانت بعد نبوة هؤلاء ورسالتهم؛ فكيف يكونون هودًا أو نصارى؟! إنما كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، واليهود والنصارى عندهم من الأخبار عن الله -عز وجل- في كتبهم من أن هؤلاء الأنبياء كانوا قبل موسى وقبل عيسى؛ فلابد أن يشهدوا بأن دينهم هو الإسلام دون اليهودية والنصرانية.

قال ابن كثير -رحمه الله- في الآية: "ثم أنكر -تعالى- عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومَن ذُكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية فقال: ( قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ) يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال -تعالى-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ... ) (آل عمران:67) ، الآية والتي بعدها.

وقال -تعالى-: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ )، قال الحسن البصري: كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.

وقوله: ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.

ثم قال -تعالى-: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) أي: قد مضت، ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ) أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، ( وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم؛ حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله؛ الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه مَن كفر بنبي واحدٍ فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين" (انتهى من تفسير ابن كثير) .

الصفحة السابقة