شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (105) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (7)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يمكن التعرض إلى مستقبل الزراعة في مصر دون التطرق إلى الحديث عن الموارد المائية في مصر، إذ لا زراعة، ولا تنمية زراعية دون توافر موارد مائية عذبة كافية لتحقيق ذلك.

ويعد نهر النيل هو المصدر الرئيسي للمياه العذبة في مصر، فهو يمثِّل 7 و97 % من إمدادات المياه العذبة المتجددة، وقد تعرضت مصر -وتتعرض- من أواخر الثمانينيات لتراجع نصيب الفرد سنويًّا من الموارد المائية إلى أقل من حدِّ الفقر المائي (حد ندرة المياه)، وهو ألف متر مكعب للفرد سنويًّا، والذي بلغ في مصر 570 متر مكعب للفرد سنويًّا عام 2020م. وبعيدًا عن أزمة سد النهضة الإثيوبي تشير الدراسات أنه مع معدل النمو السكاني الحالي -بنحو 5 و2 % سنويًّا- فإنه مِن المتوقع أن يصل عدد السكان في مصر إلى 126 مليون نسمة في عام 2030 م، وإلى حوالي 200 مليون نسمة في عام 2050 م.

ومع افتراض استمرار إمدادات مياه النيل الحالية كما كانت خلال المائة عام الماضية، واستمرار استخدام الأمطار بالمستويات الحالية، فمن المتوقع أن يصل نصيب الفرد من الموارد المائية إلى 290 مترًا مكعبًا للفرد سنويًّا بحلول عام 2050م، أي أقل من حدِّ ندرة المياه الشديد المطلق، وهو 500 متر مكعب للفرد سنويًّا، وبهذا الحد من ندرة المياه الشديدة ستصبح مصر بدون اكتفاء ذاتي في الغذاء وفي متطلبات العيش، وستزداد حاجتها إلى الموارد المالية لاستيراد الكثير من احتياجاتها الأساسية.

وحتى تتجاوز مصر المحنة وقتها: فعليها زيادة مواردها من المياه العذبة عام 2050 م لتوفير 200 مليار متر مكعب سنويًّا لتناسب عدد السكان المتوقع (200 مليون نسمة بنصيب 1000 متر مكعب للفرد سنويًّا)، علمًا بأن حصة مصر الحالية من مياه نهر النيل -أي: قبل ملء وتشغيل لسد النهضة الأثيوبي- لا تتعدى 5 و55 مليار متر مكعب سنويًّا، والتي تمثِّل قرابة 98 % من كل موارد مصر المائية والباقي يأتي من الأمطار والمياه الجوفية.

وبعيدًا عن أزمة ملء وتشغيل سد النهضة كان ينبغي على مصر منذ سنواتٍ طويلةٍ أن تقوم بقوة وجدية بتحسين نظام إدارة المياه فيها؛ لسد احتياجاتها المتزايدة للمياه، وهو مطلب ضروري؛ إذ إن الأمر سيكون مسألة حياة أو موت، في ظل توقعات بنزاعات وحروب متوقعة بين الدول بسبب الصراع على موارد المياه المتاحة الحالية التي إن استمرت على ما هي عليه الآن فلن تكفي الزيادات الكبيرة المتوقعة في أعداد السكان في دول العالم المختلفة.

مخاطر سد النهضة:

ترى بعض الدراسات أن بناء سد النهضة بهذه الضخامة المعلن عنها وملأه في سنوات قليلة سوف يؤثِّر تأثيرًا سلبيًّا على كلٍّ مِن السودان ومصر، فكلما قصر المدى الزمني لملء السد زاد التأثير بالسلب على مصر والسودان، وتصر إثيوبيا على ملء السد خلال 4 سنوات فقط، مما يتوقع معه انخفاض حصة مصر من المياه بنحو 12 مليار متر مكعب سنويًّا، والسودان بنفس القدر تقريبًا؛ وعليه فقد تفقد مصر بسبب نقص المياه عن الحصة المعتادة أكثر من 8 و1 مليون فدان من الأراضي المزروعة حاليًا، والتي ستتعرض للبوار.

ويترتب على ذلك زيادة البطالة بين المزارعين، وإجهاض أي خطط للتوسع الزراعي والتنمية الزراعية، وقلة نسبة الطمي، وبالتالي: تأثر خصوبة الأراضي الزراعية، وكذلك تضرر الثروة السمكية، وتراجع حجم الطاقة الكهرومائية المولدة من السد العالي بنسبة تتراوح ما بين 22 - 36%.

وهذه النسبة لا تشكِّل نسبة كبيرة من الطاقة الكهربائية المولَّدة على مستوى مصر، ولكن هذه النسبة تساهم في توفير احتياجات الكهرباء لمحافظتين أو أكثر من محافظات الصعيد، وتشير الدراسة: أن التأثير الأكبر لملء وتشغيل سد النهضة ليس خلال فترات ملء السد، ولكن في السنوات والعقود بعدها، حيث يرتبط التأثير بسلسلة سنوات الجفاف في النيل الأزرق، وبالفواقد المتراكمة من المياه خلف السد نتيجة عوامل التبخر والتسرب المرتبط بخزان سد النهضة؛ إذ إنه على المدى الطويل سيتلاشى تأثير فترات ملء الخزان، لكن ستستمر تأثيرات قواعد التشغيل، وفواقد المياه بالبخر والتسرب بسبب كبر حجم تخزين السد، وارتفاع مستويات التشغيل به.

الاتجاه إلى زيادة موارد مصر المائية:

تسعى مصر إلى الاستفادة القصوى من مواردها المائية المتاحة والممكنة وزيادتها، خاصة من خلال معالجة وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي، ومن خلال تحلية مياه البحر، والتطلع إلى استغلال المخزون من المياه الجوفية. وقد زادت وتيرة تلك الجهود بشكلٍ ملاحَظٍ في السنوات القليلة الأخيرة في ظل ما تتعرض له مصر من تهديد يتعلق بمواردها المائية من جهة، ومع تواصل ارتفاع معدل النمو السكاني من جهة أخرى.

وهناك وسائل كثيرة ومتعددة علمية وعملية، منها: ما بدأناه بالفعل، وعلينا المزيد من السعي فيه، ومنها ما ينتظرنا، ومنها ما قد يبدو أنه من الصعب تحقيقه ولكنه ممكن، ونحن هنا نتكلم عما هو بأيدينا لا بأيد غيرنا، ولم يعد أمامنا رفاهية الاختيار أو التسويف، بل أصبح من الضروري العمل في كل -أو أكثر- هذه الاتجاهات المتعددة بقوة وجدية في وقتٍ واحدٍ لإنقاذ مستقبل أمة وحياة أجيال قادمة، فينبغي ألا يسمح أبدًا بحدوث تهديد لأمن مصر المائي حاليًا أو في المستقبل.

الاستفادة من المياه الجوفية:

تهتم الدولة بالتوسع في حفر آبار المياه الجوفية؛ خاصة في مشروع استصلاح وزراعة 5 و1 مليون فدان، والتي تشرف عليها شركة الريف المصري الجديد، ويعد المشروع المرحلة الأولى من إجمالي 4 ملايين فدان من المستهدف تنميتها ضمن مخططات الدولة.

ويعتمد المشروع على المياه الجوفية التي تمتلكها مصر حيث تم حفر وإنشاء أكثر من 1080 بئرًا من آبار المياه الجوفية بمناطق المشروع حتى مطلع عام 2018م، في مناطق الفرافرة الجديدة والفرافرة القديمة، وغرب المنيا، ومنطقة المغرة وتوشكى، غطَّت مساحة من الأراضي القابلة للتنمية تقدَّر بحوالي 250 ألف فدان، ويغطي البئر استخدامات نحو 238 فدانًا.

الصفحة التالية