شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (106) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (8)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد عانت مصر -وما زالت تعاني- مِن: انحصار الإقامة والحياة فيها، والزراعة على الشريط الضيق لوادي النيل والدلتا.

لقد تقاعس المصريون -وتأخروا كثيرًا- في مدِّ البناء والعمران، والأنشطة الزراعية والصناعية إلى البقية الشاسعة من أرض مصر الواعدة في شبه جزيرة سيناء، وفي البحر الأحمر، والصحراء الشرقية، وفي الواحات والصحراء الغربية.

لقد أصبحت نهضة مصر في الحاضر والمستقبل مرهونة -ولابد- بالخروج من وادي النيل الضيق والدلتا إلى رحاب مصر الشاسعة؛ لتدب الحياة في الأرض الواعدة بخيراتها الوفيرة، وحتى تمتد النهضة التنموية إلى حيث يجب أن تكون.

إنه من الخطأ -كل الخطأ- أن تهجر أراضي مصر الخيرة بكل ما فيها مِن موارد وخيرات، ونعم لا تحصى، والتي تمثِّل أكثر من 90 % من مساحة مصر، ويستمر التمسك -والإصرار على هذا التمسك- بهذه المساحة الضيقة من الوادي والدلتا حتى خلال التطلع إلى نهضة قوية، وتنمية شاملة مستدامة.

لقد أخفقت الحكومات السابقة إخفاقًا غير عادي حتى وهي تقوم بمدِّ العمران والمشروعات إلى أراضي مصر خارج وادي النيل والدلتا، من خلال مشروعات أنفقت عليها عشرات ومئات المليارات واستغرقت سنوات طويلة، بدون عائدٍ مجدٍ أو نتيجةٍ ملموسةٍ، لتتحول كل هذه المليارات وكل هذه الجهود لسنواتٍ إلى مدن جديدة خاوية، وأراضٍ مستصلحة لا دور لها فعَّال في نهضة زراعية أو صناعية، أو تنمية حقيقية، بعد وعود وأمنيات بازدهار ورفاهية، ومستقبل مشرق ورخاء، ليبقى الحال على ما كان إن لم يكن إلى الأسوأ! في ظلِّ معدلات زيادة في السكان لم يفلح المسئولون على استيعابها والاستفادة منها، وفي ظل تفكير سكاني نمطي محدود ما زال يتمسك -في الواقع- بالشريط الضيق، وفي ظل مشروعات قيل عنها عبر عقود: إنها قومية تنموية، ثم ظهر جليًّا أنه مِن الصعب الاستفادة منها، في مقابل إمكانيات متاحة كان يسهل الاستفادة منها، ويعظم العائد من ورائها.

إن أمامنا فرصًا متاحة تحتاج لجهودٍ جادة للبناء والإنتاج في شبه جزيرة سيناء التي أهملت كثيرًا، وفي الواحات العديدة بالصحراء الغربية التي كانت في أزمانٍ سابقةٍ سلة الحبوب والغلال في مصر، وفي ممرات تنمية تربط وادي النيل بالبحر الأحمر والواحات الغربية.

ولدينا -ويجب أن يكون لدينا المزيد- من الأبحاث العلمية والدراسات، والأفكار المبتكرة النابعة من بيئتنا، وعقول علمائنا وباحثينا، وتناسب إمكانياتنا وظروفنا ولها عوائد إيجابية عظيمة إن تم دراسة جدواها جيدًا وطبقت تطبيقًا جيدًا، وأعظم الابتكارات ما كان منها وليد الحاجة والمعرفة، والعلم والبحث.

وقبل ذلك ومعه لا بد من عودة الاهتمام بالفلاح المصري الذي هو العمود الفقري للزراعة والإنتاج، ومفتاح النهضة والتنمية، والذي أصبح يعاني كثيرًا من الإهمال والظلم، فساءت أحواله عن ذي قبل، وقلَّ إنتاجه عما يجب أن يكون عليه وأصبح يشقى بعمله؛ لأنه يعمل كثيرًا، ويجني قليلًا، فأصبحت الزراعة مهنة يهرب منها الشباب، ولا يرتاد مجالها من رجال الأعمال إلا القليل؛ خاصة وقد رفعت الدولة يدها عن دعم الزراعة والفلاحين كما كانت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث تراجع دور الجمعيات التعاونية الزراعية، وافتقد الفلاح البذور والتقاوي الجيدة، والأسمدة والمبيدات ذات الفاعلية والأثمان المناسبة، وأصبح يشتري احتياجاته منها من السوق السوداء، وراج سوق المغشوش والمضروب منها، وتراجع الدور المطلوب من الدولة في التوعية والتوجيه والإرشاد الزراعي لما يجب أن تكون عليه الزراعة في عصرنا الحديث وظروفنا الحالية في ظل أمية طاغية، وعدم قدرة الفلاح بمفرده على تسويق المحاصيل التي زرعها من جهة، وجشع التجار والوسطاء في التعامل معه من جهة، مع تعرض أسعار الكثير من المحاصيل للتقلبات؛ خاصة ما يرتبط منها بالأسعار العالمية المتقلبة، مع ارتفاع التكلفة والتشغيل وأجور العمالة، وافتقاد الميكنة والآلات الزراعية الحديثة التي توفر الجهد والوقت، وفي ظل مشاكل تتصاعد بسبب تقلبات المناخ ونقص مياه الري، والتعدي المتزايد على نهر النيل وفروعه بآثاره السلبية الخطيرة، وسوء حالة الترع والمساقي والمصارف.

أضف إلى ذلك: صعوبة التخزين والحفظ، وعدم كفاءة النقل للمحاصيل، وما يترتب عليه من فاقدٍ لا ينبغي حدوثه مع ارتفاع التكلفة في وقتٍ يعاني فيه الفلاح من ضعف القدرة على التصرف المفيد أو التخلص الآمن مما يتراكم لديه من المخلفات الزراعية.

قال الكاتب فاروق جويدة: (وكنت قد تناولتُ هموم الفلاح المصري في مقال سابق، وللأسف الشديد: إن الفلاح بعيد تمامًا عن بوصلة الحكومة، إنه غائب في كل المناسبات، غائب عن الإعلام، فلا توجد قناة أو برنامج يتحدث عن همومه، هو غائب عن مناقشة قضايا المحاصيل والزراعة والبذور، والأسمدة والمبيدات، وهو يزرع القطن بأوامر حكومية ثم ترفض الحكومة تسلمه، وهو يشتري كل شيء من السوق السوداء، ابتداءً بالأسمدة، وانتهاءً بالبذور... وهنا أقترح على رئيس الحكومة إقامة مؤتمر يناقش هموم ومشاكل الفلاح المصري... هناك مؤتمرات للمرأة والشباب والمصريين في الخارج؛ ألا يستحق 50 مليون فلاح أن نقيم مؤتمرًا في إحدى المحافظات نسمع فيه شكواهم؟!)، (حتى يشعر الفلاح بأنه مواطن مصري له نفس الحقوق، وحتى لا تبقى قضاياه معلقة بين المحليات والزراعة وبنك التسليف ووزارة التموين) (راجع مقال: قضايا غائبة عن الحكومة فاروق جويدة - جريدة الأهرام - عدد الجمعة 21 ديسمبر 2018 م، ص 13 بتصرف) .

الصفحة التالية