الشك... الجناية الكبرى للفِرَق الكلامية على يقين الأمة المحمدية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولًا: مثال يوضِّح أين تكمن المشكلة؟
إذا كنتَ في القاهرة، وسألك رجلٌ لم يسافر قط بسيارته إلى الإسكندرية أن تصف له الطريق، فأنت تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ، ربما لتثبت له أن الطريق الفلاني هو أفضل الطرق ثم تصف له الطريق تفصيليًّا، ولكن: هل يليق أن تتصرف بذات الطريقة إذا كنت سائرًا على الطريق والسيارة التي بجوارك على ذات الطريق ومتجهة إلى ذات الاتجاه قد حصل لقائدها شك أو تردد في إحدى مفارق الطريق، واسترشدك بشأنه؟!
فهل يليق أن تطلب منه أنه طالما قد شك في هذه الجزئية فليرجع حتى يكون في أول الطريق ثم يتأكد مِن أن هدفه هو الذهاب إلى الإسكندرية، وأن هذا الطريق يؤدي بالفعل إليها، و ... ؟!
أو هل -على الأقل- تطالبه أن يقف ثم يخادع نفسه أنه غير واثق مِن شيء، وأنه الآن في مكانٍ ما مِن الكرة الأرضية، وعليه أن يبرهن لنفسه أنه بالفعل في الطريق إلى الإسكندرية، وأنه الآن في نقطة كذا ... ؟!
ثم إن بعض هؤلاء: بعد أن يجعلك تتوقف ثم تشكك نفسك أو تخادعها، ثم تعيد تصور الطريق، يطلب منك أن تخدع نفسك ثانية؛ لتتوهم أنك الآن على يقين مما أنت عليه، ومِن ثَمَّ فأنت مستعد لتسمع منه جواب ما أشكل عليك!
والبعض الآخر: سيكون صريحًا مع نفسه أكثر، ويكتشف أن الشك الذي طالبك أن تلقيه في قلبك ليس له مِن علاج، فسيطالبك بأن تتضرع إلى الله، وتتنظر انشراح صدر يزيل عنك الشك الذي جلبته لنفسك!
ولا شك أن العاقل هو: مَن سيدرك أنه بالفعل على الطريق، وأنه غير شاكٍ، ولا متردد فيما مضى من الطريق، وأن عليه أن يزيل عنه اللبس في الجزئية اليسيرة التي أمامه.
وهذا المثل مضروب للمتكلمين مِن: "الأشاعرة، والماتريدية، والصوفية" في مقابلة طريقة السلف -رضي الله عنهم-، فمِن هؤلاء: مَن يكلفك أن تشكك نفسك فيما أنت مستيقن منه مِن: وجود الله ووحدانيته، وصدق رسوله -صلى الله عليه وسلم-. ومنهم مَن يخجل مِن أن يطالب المؤمن بشكٍّ فيدَّعي أنه إنما يطلب منه أن يفكر كما لو كان شاكًّا دون أن يشك بالفعل! وهذا بلا شك فتح لحصون القلب أمام شيطان الشكوك.
ومنهم مَن أدرك: أن مسالك المتكلمين التي تطالب المتيقنين أن يشككوا أنفسهم لكي ينالوا يقينًا خاصًّا عن طريقها هي ذاتها أضعف مِن أن توصف باليقين، حتى يمكن أن تكون وسيلة للوصول إلى اليقين في غيرها، فطالب الناس أن يسلكوا تجارب روحية "ولأنه سيتعلمها كطريقة لإثبات صدق الوحي" فلن يشترط موافقتها له؛ مما يعنى أننا في النهاية جعلنا ممارسات غير مأثورة وغير معقولة، حاكمة على الأثر، وحاكمة على العقل!
ومن عجيب الأمر: أن غلو المتكلمين في إعمال العقل والمنطق والبرهان كما زعموا قادهم إلى الخرافة تحت مسمَّى التجربة الروحية، وأخرجوها عن سلطان الشرع والعقل، ومِن هنا كان الجمع العجيب بين عقائد المتكلمين، وخرافات الصوفيين!
ثم إن كثيرًا مِن هؤلاء وفَّقه الله إلى أن يتعلَّم الفقه على أيدي المدارس السُّنية "لا سيما الأئمة الأربعة وتلامذتهم"؛ إلا أنه حتى في هذا الجانب من جوانب الديانة لم يسلِّم لهم، فهم مع غلوهم في علم الكلام كعلم عقلي إلا أن آثاره من الشك والحيرة جعلت بعض نُظَّارهم: "كالإمام الغزالي"، يقضى بحرمة تعليم هذا العلم للعوام، كما في كتابه: "إلجام العوام عن علم الكلام".
وقصور علم الكلام دفعهم إلى قبول التجارب الصوفية بغير دليل: فأصبحوا مخاصمين للدليل في دراستهم العقدية، وفي تجاربهم الروحية، ثم نقلوا تلك الكراهية للدليل إلى دراستهم للفقه؛ رغم الالتزام بسنيتها، فمنهم مَن حرَّم النظر في الأدلة، ومنهم مَن نادى بغلق باب الاجتهاد، ثم رتَّب على هذا: أن الأدلة مِن الكتاب والسنة صارت غير ذات فائدة! ومنهم مَن تلطَّف وقال: أدلة الكتاب والسنة تُذْكَر تبركًا، ومِن ثَمَّ نادوا بالتقليد وعابوا على مَن يتبع الدليل أنه خارج عن فقه الأئمة، مع أنهم إنما يدرس فقههم بأدلته.
ومناقشة هذا المنهج بشعبه الثلاث: "العقيدة الكلامية - والسلوك الصوفي - والتقليد المذهبي" أمره يطول؛ إلا أن المقصود هنا مناقشة إحدى سقطاته الكبرى، وهي دعوتهم إلى الشك في العقائد، حتى وإن غلَّف بعضهم طلب الشك وحاول أن يجمله، ففرق بين الشك الحقيقي والشك المنهجي على ما سبقت الإشارة إليه في المثال -ويأتي تفصيل له بإذن الله في باقي المقال-.
وفي الجزء الثاني -إن شاء الله- سنبيِّن المسلك القرآني في أمرين:
الأول: في إقامة الحجة على المخالفين.
الثاني: تعزيز اليقين لدى المؤمنين.
ومِن ثَمَّ سيتضح بُعد هؤلاء المتكلمين أيما بعدٍ عن نور الكتاب والسنة.
أولًا: آفة الفلسفة وعلم الكلام النظر إلى الدنيا الواسعة مِن نافذة رياضية ضيِّقة:
الآفة الكبرى لدى الفلاسفة، والتي ورثها عنهم مَن سُمُّوا بفلاسفة الإسلام، ثم ورثتها عنهم الفِرَق الكلامية هي: أنهم تأملوا فوجدوا أن الرياضيات تستنِد إلى مقدماتٍ قطعيةٍ، وطُرق برهان قطعية، فينتقل المتعلِّم لها بين يقينيات لا تقبل الشك، ولا الجدل، فظنوا جهلًا منهم: أن القضية في النموذج الرياضي، وأننا متى وضعنا اللغة الحية في قوالب رياضية سنصل إلى اليقين الذي لا يتطرق إليه شك في كل القضايا!
ومِن ثَمَّ اختزلوا اللغات بثرائها في عِدَّة قواعد للاستنباط، بينما اللغات "لا سيما اللغة العربية" تتضمن قاموسًا واسعًا للمفردات، وهذه المفردات يَرِد عليها: الاشتراك، ويرد عليها استعمالات مشهورة، وأخرى أقل شهرة، ومعانٍ لا تُرَاد إلا مع قرائن، ويرد عليها العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، كما أن الأساليب تتنوع، ولكل جملة منطوقها، وقد يدل الدليل على أن القائل يقصد أيضًا إلى مفهومها، وكل هذه الأمور يُحتَاج في تفسيرها إلى معرفة: "السياق، والسباق، واللحاق"؛ مما يعني: أن كلام المخلوقين؛ فضلًا عن كلام الخالق لا يمكن فهمه بطريقة آلية، بل لا بد من عملٍ عقليٍ في كلِّ نصٍّ على حِدَة استصحابًا لهذه المعاني السابقة.