شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الشك... الجناية الكبرى للفِرَق الكلامية على يقين الأمة المحمدية (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وليس أدل على ذلك مِن: فشل برامج الترجمة الآلية؛ رغم أنها تُغذَّى بكل القواميس المتاحة، وبأنماط الاستعمالات المختلفة لكلِّ كلمة، ومع هذا تأتي في كثيرٍ مِن الأحيان بالترجمات المضحكة لبعض النصوص، ثم إن القضية ليستْ في فَهْم نصوص بقدر ما هو في تكوين معرفي بقضايا معينة لا يملك فيها الإنسان إلا حواسه، وقد دَلَّ الدليل على أنها محدودة، وفي كل يوم يكتشف الإنسان مدى جديدًا للرؤية، ومدى جديدًا للسمع، بما مَنَّ الله به عليه مِن اكتشاف آلات توسِّع مدى هذه الحواس، وبالقطع ستبقى أمورٌ كثيرةٌ غائبة عن عِلْم البشرية ككلٍّ إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها: ( وَمَا أُوتِيتُمْ ‌مِنَ ‌الْعِلْمِ ‌إِلَّا قَلِيلًا ) (الإسراء: 85) .

ثانيًا: مِن أكبر أخطاء المتكلمين ظنهم أنه يلزمهم صياغة حججهم على صحة الإسلام على طريقة الفلاسفة:

كان طريق دخول المسلمين إلى الفلسفة والمنطق ثم إلى تأسيس علم عقيدة جديد غير الذي عرفه السلف يُسَمَّى علم الكلام عن طريق الجدل، ومناظرة الديانات ذات الطابع الفلسفي، بينما جاء القرآن بالأدلة العقلية التي تقيم الحجج على مَن يقرُّ بالنبوات ويجحد نبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- مِن أهل الكتاب، ومجادلة الذين ينكرون البعث من مشركي قريش وغيرهم، وأمر الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يستعمل هذه الحجج القرآنية في دعوة أصناف الكفار، وقال -تعالى-: ( ‌وَجَاهِدْهُمْ ‌بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) (الفرقان: 52) ، وعد ذلك الجدل مِن الجدل المذموم: ( وَلَا ‌تُجَادِلُوا ‌أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (العنكبوت: 46) .

وأصول عقائد الفِرَق الفلسفية لا تخرج عن هذا؛ إلا أن الفلاسفة والمتكلمين وقعوا في خطأٍ فاحشٍ حينما ظنوا أن البرهان لا يكون برهانًا إلا إذا سيق على ذات قوالب الفلاسفة -وقد قدَّمنا: أن آفة الفلاسفة هي قوالبهم-.

ومما أوقعهم في هذا الخطأ: ظنهم أن المناظرة لا بد أن تنتهي بالإفحام لكي تكون قد نصرت الحق، والخصم لن يُفحَم إلا أن تسوق أدلتك بالطريقة التي يظنها دليلًا! مع أن ما ذُكِر في القرآن مِن احتجاجات على الدهرية، وعلى نفاة البعث استنادًا إلى مقدمات فطرية، وما بُنيت عليها من نتائج، لا بد لكلِّ عقلٍ سليمٍ أن يسلِّم بها، ومن أعرض عن الحق ولزم المراء، طلب الشرع الإعراض عنه وعدم الاستجابة لجدله، قال -تعالى-: ( وَلَا ‌تُجَادِلُوا ‌أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (العنكبوت: 46) .

وحتى لو غلب على الظن أنهم لشدة الفهم للباطل عميت بصائرهم عن رؤية الحق، وأردنا أن نخطو معهم خطوة أخرى؛ فقد أتى الشرع بالمباهلة لتكون علامة حسية يلجأ إليها المسلمون لإقامة الحجة على مخالفيهم، والمبالغة في نصحهم، ومحاولة إخراجهم من الظلمات إلى النور، فمَن أبى بعد ذلك فلا يهلك على الله إلا هالك، قال الله -تعالى-: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (آل عمران:61) .

ثالثًا: مِن أكبر أخطاء المتكلمين إلزامهم جميع المكلفين أن ينزِّلوا أنفسهم منزلة الملاحدة:

فلاسفة اليونان غلب عليهم الإلحاد والقول بقِدَم العالم، وأنه لا خالق! وهذا نتيجة طبيعية لإنكار صوت الفطرة -كما سيأتي مع البُعد عن آثار النبوة، والاكتفاء بالدليل العقلي-، فلما فقدوا -مِن وجهة نظرهم- الدليل العقلي على وجود الخالق، التزموا القول المناقِض للعقل أيما مناقضة، وهو القول: بأن هذا الكون البديع وُجِد بلا خالق!

فلما وَجَدَ مَن اشتغل بالفلسفة مِن المنتسِبين إلى الإسلام مدارسَ فلسفية تثبت وجود الخالق، هرعوا إليها واحتفلوا بها، وإن كان هذا لا يخرجها عن الإلحاد في دين الله، فعامة الفلاسفة منكِرون للنبوات حتى مَن قال منهم: إن للكون خالقًا.

والتقط المتكلِّمون الخيط مِن الفلاسفة، وظنوا أن ميدان الجهاد الأكبر هو إثبات وجود الله -تعالى- حتى إن كُتُب عقائد المتكلمين لا تكاد تعالِج إلا قضية إثبات الربوبية، ولا ينشغلون بإثبات الألوهية؛ لا سيما مع اللوثة الصوفية التي أصابتهم، وما فيها مِن انحرافاتٍ في قضية الألوهية.

وبالطبع تعنى كتب المتكلمين بالأسماء والصفات كفرعٍ على إثبات وجود الله -تعالى-، وأيضًا بلوثة فلسلفية جعلتهم يتوهمون أن إثبات الصفات ينافي أزلية الله -عز وجل-، أو ينافي تنزهه عن مشابهة خلقه، وهو أمر خارج نطاق موضوعنا في هذه المقالة.

الخلاصة: أن المتكلمين بنوا بنيانهم على أن أهم مقاصد الدِّين هو: إقامة العقيدة، وأن أهم مقاصدها هو: إثبات وجود الرب -جل وعلا-، وأن إثبات وجوده لا بد وأن يأتي به كل مكلَّف مبتدئًا مِن الشك الذي هو وقوف موقف المحايد من هذه القضية (هل للكون خالق أم لا؟)، وأن يقتل في نفسه أي درجةٍ مِن درجات الميل إلى إحدى الإجابتين، ثم ينطلق مستدلًا بالقوالب المنطقية على أن للكون خالقًا، وحينئذٍ يتنفس الصعداء، ويلقي سلاحه؛ فقد بلغ نهاية السباق! وما درى المسكين: أن هذا الذي يظنه نهاية السباق هي النقطة التي تقف عندها البشرية جميعًا! وهي النقطة التي يُولَد المولود وهو مقرٌّ بها إقرارًا إذعانيًّا؛ إلا أن الشياطين تعبث بعقول البعض، فإذا بالمتكلمين ينشغلون بهذه الشرذمة الصغيرة عن سائر البشرية!

وأقبح من هذا: أن يطالبوا مَن مَنَّ الله عليه بسلامة الفطرة، بل مَن مَنَّ الله عليه بالإسلام منذ نعومة أظفاره أن يسعى الى أن يكون حاله كحال هؤلاء!

الصفحة السابقة الصفحة التالية