الشك... الجناية الكبرى للفِرَق الكلامية على يقين الأمة المحمدية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ومِن ثَمَّ ادَّعى الأشاعرة: أن أول واجب على المكلَّف هو الشك في أمر الربوبية، ثم لما وجد بعضهم أن هذا الأمر شديد الفحش، قالوا: نريد الشك المنهجي لا الشك الحقيقي، وهو أن يفكر كما لو كان شاكًّا، ثم أرادوا التجمُّل أكثر، فقالوا: بل أول واجب على المكلَّف هو النظر أو الاستدلال.
وبمقدار ما في هذا العبارات مِن اختلافٍ تُدَار عليه معارك كلامية بين أبناء المذهب الواحد؛ إلا أنها تشترك في النهاية في معنى واحد فاسد، وهو: أن المسلم الموقن بالإسلام، وصدق القرآن والسُّنَّة؛ عليه أن يشك أو يتصرف كالشاك، ثم يتعلم أمورًا هي الأخرى ليست مِن بديهيات العقول، ولا من الشرع المنزَّل، ولا هي مُسَلَّم بها عند أهلها من معرفة العَرَض، والجوهر، وواجب الوجوب، وممكن الوجود، ومستحيل الوجود؛ لكي يستعمل تلك العبارات الركيكة في إثبات وجود الرب -تبارك وتعالى-.
ولأن مَن سيأخذونهم مِن عوام المسلمين مِن يقينهم الفطري إلى هذا الشك يعجز كثيرٌ منهم عن معرفة تلك العبارات الركيكة؛ فضلًا أن تأخذه مِن شكه الذي أدخلوه عليه فتعيده إلى يقينه الأول؛ فقد اخترع الإمام الغزالي لهم في كتابه: "المنقذ من الضلال" الرجوع إلى التريبة الروحية لكي يصل إلى اليقين، وهو -كما أسلفنا- تريبة روحية متحررة من قيود العقل، ومن اتباع الشرع؛ بيد أنها بالفعل كانت علاجًا للغزالي، وقد تكون علاجًا لغيره بمقدار ما فيها مِن تضرُّع إلى الله وصدق اللجوء إليه، والافتقار له بطلب الهداية حتى ولو كانت على طريقة مبتدعة.
فلم تكن تلك الطرق هي سبب الهداية، وإنما اليقين الذي حاولوا كتمه في قلوبهم، والإيمان بوجود الخالق، وبأنه يهدي مَن يشاء إلى ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه هو الذي كان سببًا في هداية مَن عاد مِن هؤلاء مِن رحلة ضلاله، وهو ما أدركه الغزالي في آخر حياته، وإن لم يطل االله في أجله حتى يدوِّن لنا رحلته الخيرة إلى اليقين الحقيقي حينما مات وصحيح البخاري على صدره! وهو مصير رحم الله به كثيرًا ممَّن طوَّفوا في تلك المتاهات، وكتموا إيمانهم الحقيقي في قلوبهم، وستروه بشبهات أوردوها عليه عمدًا طلبيًّا؛ لما ظنوه أنه برهان، فلما رقدوا في فراش المرض وجدوا أنه لا سبيل إلا ذلك الإيمان الراسخ؛ فطرة وعقلًا، بدلالة عقول البشر الطبيعيين، وليس بالمقاييس العقلية المخترعة للفلاسفة والمتكلمين!
قال الرازي أحد كبار أئمة الأشاعرة -بل إن أثره في المذهب يفوق أثر أبي الحسن الأشعري نفسه-:
نهاية إقدام العقول عقال
وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة
فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها
رجال فزالوا والجبال جبال
وقال: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (طه:5) ، ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) ( فاطر:10) . وأقرأ في النفي: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الشورى:11) ، ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) (طـه:110) ، ومَن جَرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي!".