شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين يدي الحديث العمدة

عبد العزيز عطية النجار • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْه ) (متفق عليه) .

الحديث العمدة:

هذا اللقب أطلقه أهل العلم على هذا الحديث الشريف؛ لما حواه من الشمولية والجمع والترسيخ لشرط النية، بما أنها الشرط الأول لصحة الأعمال وقبولها.

والشطر الأول من الحديث: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ).

والشطر الثاني: ( وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ).

ومحور المقالة الشطر الثاني من الحديث الذي نتطرق منه إلى مشروعية تعداد النوايا في العمل الواحد، وجني الأجور لكُل نية استحضرها العبد على رأس العمل الواحد، إذا وُفُق العبدُ للقبول.

ودعونا نتساءل: كيف هذه الجبال الشاهقات من الحسنات التي يُجنيها العبد في العمل الواحد إذا استحضر أكثر من نية على رأس العمل الواحد؟!

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى):

إن شئتَ قلتَ عن هذه الجُملة: (الفتح المبين)، أو (الفوز الكبير)، أو (الظفر الأعلى)، إن لم تكن (الجود الجم)، و(الفضلُ الأتم)؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا احتسب على الله -تعالى- شيئًا، فإن الله -تعالى-سيُعطيه سؤله وبُغيته لا محالة.

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى): الضوء الأخضر من النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلم الخلق بربه، وأعلم الخلق بخزائن ربه.

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى): إذًا ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (المطففين:26) ، ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) (البقرة:148) .

- تعداد النوايا في العمل الواحد لمَن أراد استباق الخيرات، وأراد السؤدد ورِفعة الدرجات في الآخرةـ وعلم أنه لابُد له من انتقاله إلى هذه الدار، فأراد تجهيزها للحياة السرمدية الأبدية.

- تعداد النوايا لمَن يعلم أن عُمره بين الستين والسبعين، وأراد المنافسة في الهبات والقُربات والعطايا من الحسنات ورِفعة الدرجات في أعالي الجِنان التي لم تخطُر على قلب بشر، فمَن أراد مُنافسة إخوانهِ وأقرانه من الموحدين الحاليين والموحدين الأوائل في أُمتِنا المرحومة، وحتى الأُمم السابقة الحنيفية، بل وحتى الأُمم التي عَمَرت الأرض أحقابًا.

- وعلى سبيل الترهيب: تعداد النوايا لمَن يعلم عن مراحل المستقبل الأخروي، والتي تبدأ بسكرات الموت ثم الحياة البرزخية ثم النشور ونصب الميزان ثم الصراط، ولمَن عَلِم أن الدنيا مزرعةً للآخرة، وأيقن بأن الميزان حتمًا سيُنصَب في الآخرة، وخشي أن تَغلِب آحادهُ عشراته، (السيئة بمِثلها والحسنة بعشر أمثالها)، وخشي أن يقع تحت طائلة الآية الكريمة: ( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) (القارعة:8-9) .

- تعداد النوايا في العمل الواحد لمَن أيقن أنه لن يدخل الجنة إلا برحمة الله -تعالى-، ولن يدخلها بعمله، ولكنه أيقن بأن الله -تعالى- حكمٌ عدل قال في كتابه الكريم: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الزمر:9) ، فلذلك كان العمل تصديق للوعد من الله -تعالى-، ورسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

- تخيل كمية النفقات التي أنفقتها في الخير في حياتك بنية واحدة... !

تخيل لو أنك عدَّدت النوايا في الأموال التي أنفقتها لكانت أجورك عند الله -تعالى- كالجبال الشامخات.

- تخيل أنك لو تصدقت على مسكين بنية الاستشفاء والعلاج؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "داووا مرضاكم بالصدقة"، وبنية إدخال السرور على قلب المسلم، وبنية إطعامه الطعام، ونية كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ونية إدخال السرور على قلب المُسلِم، وأطلق لخيالك العنان في استحضار النوايا، وما فتح الله -تعالى- عليك من تعداد النوايا على رأس العمل الواحد.

- تخيل حتى في النوافل غير المقيدة أنك إذا توضأت وذهبت للمسجد وأنت تركع ركعتين، فيجوز لك أنت تُصلي بنية سُنة الوضوء ونية سُنة دخول المسجد، ووجودك في المسجد لو نويت تكثير سواد المسلمين في الصلوات في الجمعة والجماعات.

- تخيل لو أنك ذهبت لعيادة مريض واستحضرت نية أخرى أن هذا المريض من أرحامك، وأنك بزيارته تصل الأرحام وتُدخِل على قلبه السرور، وأن تؤلف بين قلبك وقلب أخيك المسلم، إلى ما فتح الله -تعالى- عليك من النوايا.

أرأيت عُلماء الأُمه كيف هُم تُجار للنوايا وأنهم قد يكونون أكثر انشغالًا بالعِلم من بذل أعمال الطاعات، ولكنهم بأعمالهم اليسيرة الخالصةُ الصالحةُ قد سبقوا إخوانهم من العُباد والزُهاد الذين يُكثِرون التنفُل والتطوع!

لكن هل تعلم أن استحضار النوايا وتعدادها هي فضل الله -تعالى- يؤتيه من يشاء من عباده، فالاستحضار والتعداد عمليات إلهامية سريعة كالبرق، لا يوفَّق لها إلا كُل موفق، ولا يُلقَّاها إلا ذو حظٍ عظيم، لكن دعونا نعتَرِف أن هذا الإلهام يحتاج لتجهيزٍ وإعدادٍ مُسبَقٍ، ويحتاج إلى قلبٍ سليمٍ.

الصفحة التالية