الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (33)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقوله -تعالى-: ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (البقرة:140) .
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري -رحمه الله-: "في قراءة ذلك وجهان: أحدهما: ( أَمْ تَقُولُونَ ) بالتاء، فمَن قرأ كذلك فتأويله: قل يا محمد للقائلين لك من اليهود والنصارى ( كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ): أتجادلوننا في الله، أم تقولون: إن إبراهيم ... ؟ فيكون ذلك معطوفًا على قوله: ( أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ).
والوجه الآخر منهما: ( أَمْ يَقُولُونَ ) بالياء، ومَن قرأ ذلك كذلك وجَّه قوله: ( أَمْ يَقُولُونَ ) إلى أنه استفهام مُستأنَف؛ كقوله: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ )، كما يقال: إنها لإبل أم شَاءٌ. وإنما جعله استفهامًا مستأنَفًا لمجيء خبر مستأنف.
ثم رجَّح مَن قرأ بالتاء دون الياء. بمعنى: أيُّ هذين الأمرين تفعلون؟ أتجادلوننا في دين الله؛ فتزعمون أنكم أولى منا وأهدى منا سبيلًا، وأمْرُنا وأمركم ما وصفنا، على ما قد بيناه آنفًا؟! أمْ تزعمون أنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ، ومَن سَمَّى الله، كانوا هُودًا أو نصارَى على ملتكم؟! فيصحّ للناس بَهتكم وكذبكم؛ لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سمَّاهم الله مِن أنبيائه.
وهذه الآية أيضًا احتجاجٌ مِن الله -تعالى ذكره- لنبيّه -صلى الله عليه وسلم- على اليهود والنصارى؛ الذين ذكر الله قَصَصهم.
يقول الله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ يا محمد -لهؤلاء اليهود والنصارى-: أتحاجُّوننا في الله، وتزعمون أن دينكم أفضلُ من ديننا، وأنكم على هدى ونحنُ على ضَلالة، ببرهان مِن الله -تعالى ذكره-، فتدعوننا إلى دينكم؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه، أم تقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط كانوا هودًا أو نَصَارَى على دينكم؟ فهاتُوا -على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك- برهانًا فنصدِّقكم، فإن الله قد جَعلهم أئمة يُقتدى بهم.
ثم قال -تعالى ذكره- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: قُل لهم يا محمد -إن ادَّعوا أن إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصَارَى-: أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأديان، أم الله؟
وقوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ): قال أبو جعفر: يعني: فإنْ زَعمتْ يا محمد اليهودُ والنصَارى -الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى- أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى؛ فمن أظلمُ منهم؟ وأيُّ امرئ أظلم منهم، وقد كتموا شهادةً عندهم من الله؟ بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكتموا ذلك، ونحلُوهم اليهوديةَ والنصرانية.
عن مجاهد في قوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) قال: في قول يهود لإبراهيم وإسماعيل ومَن ذكر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فيقول الله: لا تكتموا منّي شهادةً إن كانت عندكم فيهم. وقد علم أنهم كاذبون.
عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ) إلى قوله: ( قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ )، قال الحسن: والله لقد كان عند القوم من الله شهادةُ أنَّ أنبياءَه بُرَآء من اليهودية والنصرانية، كما أن عند القوم من الله شهادة أن أموالكم ودماءكم بينكم حرام؛ فبِمَ استحلُّوها؟!
عن الربيع في قوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ )، أهلُ الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: أنّهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان.
وإنما عنى -تعالى ذكره- بذلك أن اليهود والنصارَى إن ادَّعوْا أنَّ إبراهيم ومَن سمِّي مَعه في هذه الآية، كانوا هودًا أو نصارى؛ تبيَّن لأهل الشرك الذين هم نصراؤهم، كذبُهم وادّعاؤهم على أنبياء الله الباطلَ؛ لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعدهم؛ وإن هم نَفوْا عنهم اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلموا إلى ما كانوا عليه من الدِّين، فإنا وأنتم مقرُّون جميعًا بأنهم كانوا على حق، ونحن مختلفون فيما خالف الدّين الذي كانوا عليه.
وقال آخرون: بل عَنى -تعالى ذكره- بقوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) اليهودَ في كتمانهم أمرَ محمد -صلى الله عليه وسلم- ونبوَّتَه، وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم.
عن قتادة: ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ) أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، واتخذوا اليهودية والنصرانيةَ، وكتموا محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وهم يعلمون أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
عن قتادة قوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) الشهادةُ: النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مكتوبٌ عندهم، وهو الذي كتموا.
قال ابن زيد في قوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) قال: هم يهودُ، يُسألون عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن صفته في كتاب الله عندهم؛ فيكتمون الصفة".