الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (33)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
ثم ذكر ابن جرير -رحمه الله-: لماذا اختار ترجيح القول الذي رجَّحه من القولين في أن ذلك كتمان دين إبراهيم وإسماعيل ويعقوب الأسباط، أو كتمان نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، أنه رجح الأول، وإن كان المتأمل يجد القولين متلازمين؛ لأن مَن كتم نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد كتم دين الأنبياء السابقين، وأنكر دين الإسلام الذي بعث به النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم قال -رحمه الله-: "فإن قال قائل: وأية شهادة عندَ اليهود والنصارى مِن الله في أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط؟ قيل: الشهادةُ التي عندهم مِن الله في أمرهم، ما أنـزل الله إليهم في التوراة والإنجيل، وأمرهم فيها بالاستنان بسُنَّتهم واتباع ملتهم، وأنهم كانوا حُنفاء مسلمين. وهي الشهادةُ التي عندهم من الله التي كتموها، حين دعاهم نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام، فقالوا له: ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى )، وقالوا له ولأصحابه: ( كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا )، فأنـزلَ الله فيهم هذه الآيات في تكذيبهم وكتمانهم الحق، وافترائهم على أنبياء الله الباطلَ والزُّورَ" (انتهى من تفسير الطبري) .
وهذه المسألة في غاية الوضوح والبيان في نصوص القرآن والسنة، وباتفاق السلف الصالح -رضوان الله عليهم-.
ودعوة الداعين في زماننا إلى ما سمَّوه بالدِّين الإبراهيمي ؛ يدعون فيه إلى المساواة بين الأديان الثلاثة على ما هي عليه؛ دون أن يرجع أحدٌ عن عقيدته الباطلة، ويتبع محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، دعوة مِن أبطل الباطل، بل هي أبطل مما كان يدعيه اليهود والنصارى في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- من دعوة كل فريق منهم إلى يهوديته أو نصرانيته؛ فهذا القول الباطل -الذي لا يجوز لمسلم أن يعتقده، أو يظن أن هذا هو الدين الإبراهيمي- أن كل مَن انتسب إلى إبراهيم فهو على حق؛ لا بد من التحذير منه، والبراءة منه، وإبطاله عند الناس، فإنه في الحقيقة هدم لدين الإسلام.
وأما قوله -تعالى-: ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) فهذا تهديد ووعيد من الله -عز وجل- لليهود والنصارى.
قال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني -تعالى ذكره- بذلك: وقل -لهؤلاء اليهود والنصارَى، الذين يحاجُّونك- يا محمد: وما اللهُ بغافل عما تعملون، مِن كتمانكم الحق فيما ألزَمكم في كتابه بيانَه للناس من أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ في أمر الإسلام، وأنهم كانوا مسلمين، وأن الحنيفية المسلمة دينُ الله الذي على جميع الخلق الدينُونةُ به؛ دون اليهودية والنصرانية، وغيرهما من الملل، ولا هُو سَاهٍ عن عقابكم على فعلكم ذلك، بل هو مُحْصٍ عليكم حتى يُجازيكم به مِن الجزاء ما أنتم له أهلٌ في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة. فجازاهم عاجلًا في الدنيا بقتل بعضهم، وإجلائه عن وطنه وداره، وهو مُجازيهم في الآخرة العذابَ المهين) (انتهى من تفسير الطبري) .