شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (107) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (9)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيعد مستقبل الزراعة في مصر على المحك، حيث تتعرض الزراعة في مصر إلى تحديات عديدة سوف تؤثِّر على دور الزراعة في تنمية وتقوية الاقتصاد المصري؛ لذا يجب التصدي إلى تلك التحديات والتعامل معها مبكرًا، وفي نفس الوقت نحتاج إلى الدخول والتفوق في مجالات زراعية جديدة ينبغي أن تكون طموحاتنا فيها كبيرة، بل يلزمنا كذلك التوسع في مجالات زراعية موجودة تحتاج إلى التوسع والتطور فيها لتتناسب وتتوافق مع حجم ومكانة دولة مثل "مصر"؛ بمواردها الطبيعية، وتاريخها العريق، وموقعها الجغرافي، وعددها السكاني.

ويزيد هذا الأمر صعوبة: أن الآمال ما زالت معلَّقة على الزراعة لتسترد مكانتها المعهودة، وتقوم بدورها المنوط بها في تحقيق الاكتفاء الذاتي والنهوض بالأمة اقتصاديًّا، واستعادة مكانة الأمة اللائقة بها، وما بين مواجهة تحديات مقلقة والتطلع إلى مزيدٍ مِن العطاء المطلوب يتأرجح مستقبل الزراعة في مصر.

خطر التغيرات المناخية على الزراعة:

كانت مصر تتميز بمناخٍ معتدلٍ، حار جاف صيفًا، ممطر معتدل شتاء، ولكن هذا المناخ لم يعد -ولن يكون- كذلك، فالصيف تشتد حرارته والشتاء زاد تقلبًا بين شدة البرودة وشدة الحرارة، إلى جانب سيول وأمطار غزيره تارة، وجفاف وندرة أمطار تارة خرى، ولكلٍّ منهما تأثيره الضار على الزراعة في البلاد.

منذ نحو ثلاثين عامًا (حين عقدت قمة المناخ في "ريو دي جانيرو" عام 1992، وأعلن العالم للمرة الأولى التزامه تجاه الحد من الانبعاثات الغازية لمستويات يمكن السيطرة، ولا تسبب أضرارًا لعملية إنتاج الغذاء ونحن نتحدث عن تأثيرات التغيرات المناخية على مصر، وغرق الإسكندرية ودلتا النيل، واختفاء محاصيل زراعية وتأثر أخرى؛ بسبب التقلبات المناخية الناتجة عن هذه التغيرات. بعد هذه القمة بسنتين تحديدًا شهدت مصر أعنف موجة من السيول؛ حيث هطلت الأمطار بشكل غير مسبوق خاصة في الصعيد، وكان أكبر ضحاياها غرق قرية (درنكة) بأسيوط، وموت المئات يومها، وأصيبت الحياة في بعض مناطق بالشلل التام)، (كما دمَّرت السيول آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية، ومن وقتها أصبحت السيول ضيفًا دائمًا على مصر يتكرر كثيرًا).

وفي عام 2015 أمر رئيس الوزراء: (بتشكيل المجلس الوطني للتغيرات المناخية برئاسة وزير البيئة وعضوية ممثلي معظم الوزارات والهيئات المعنية بالتغيرات المناخية، وذلك من أجل العمل على صياغة وتحديث إستراتيجية وطنية شاملة لتغير المناخ، ورسم الخطط الوطنية الخاصة به)، (وقبل قمة باريس وبعدها تبارت الوزارات والهيئات والمراكز البحثية في إنشاء لجنة ومركز خاص بالتغيرات المناخية وجمع المعلومات ورسم الخطط، وغيرها.

والنتيجة: أننا أصبح لدينا خبراء في مجال التغيرات المناخية ولدينا خبرات عديدة بينما النتيجة على الأرض لا شيء، والدليل المحاصيل الزراعية التي تنهار في محافظات مصر، والسيول التي تضرب المحافظات، وتجتاح معها المباني والبشر) (راجع تحقيق: "التغيرات المناخية تغير شكل المستقبل في مصر" جريدة الأهرام - عدد الجمعة 6 يوليو 2018، ص 27 بتصرفٍ) .

إننا نحاول وقف تأثيرات التغيرات المناخية ولدينا خبراء للتعامل مع هذه التغيرات، وهناك مشروعات تأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية، لكن النتيجة على الأرض ضعيفة، (فالكل يتحدث عن زيادة درجة الحرارة بمعدل يتراوح من درجة إلى درجة ونصف خلال عشرين عامًا؛ وعليه: ينتظر الجميع ذلك، لكن لا يعلم أحدٌ أننا بدأنا بالفعل في التأثر بهذا الارتفاع الآن، حيث سنشهد تقلبات جوية حادة في توقيتات لم تعهد المنطقة وجودها) (المصدر السابق) .

ويرى د. محمد فهيم -المدير التنفيذي لمركز معلومات تغير المناخ- أن (أهم قطاع سوف يتأثر بهذه التغيرات هو قطاع الزراعة، كونه الأكثر هشاشة في سلسلة الأنشطة الاقتصادية في مصر، فالمنظومة الزراعية لدينا فقيرة ومعقدة ومتشابكة، وبنيتها التحتية ضعيفة جدًّا، والتكنولوجيا المستخدمة قديمة جدًّا، يقابلها إنفاق ضعيف وميزانية محدودة لا تلبي التطور المطلوب لمواجهة هذه التغيرات والتقلبات.

والنتيجة: أن القطاع سيزداد هشاشة وضعفًا، وسيتأثر كثيرًا بالتغيرات؛ سواء الموجودة الآن أو القادمة، حيث لم يسعَ بشكلٍ كبيرٍ للحدِّ مِن هذه التأثيرات؛ فأهم المشكلات التي تواجه الزراعة وإن كانت بشكل غير مباشر هي مشكلة الحيازات الزراعية الكبيرة جدًّا، والمتناثرة جدًّا، والصغيرة جدًّا، وهذه من أهم أسباب ضعف هذا القطاع، وهو ما يصعِّب من تنفيذ توصيات الحدِّ مِن تأثير التغيرات المناخية، وتعطيل السياسات الزراعية المستقبلية.

أضف إلى ذلك: أن أراضي الدلتا -لأنها في معظمها فقيرة سواء القديمة أو الجديدة وسواء طينية أو رملية- سوف يحتاج الفلاح لشراء كمياتٍ كبيرةٍ من السماد لعلاج التربة، وبسبب التقلبات المناخية الأخيرة حدثت خسائر كبير بأرقام صادمة للفلاح في الدلتا، وهناك نقص في الإنتاجية لمعظم المحاصيل الزراعية وصل بعضها إلى 50%، مثل ما حدث لمحصول المانجو على سبيل المثال) (المصدر السابق بتصرفٍ) .

الصفحة التالية