السلفية والإبداع
محمد السعيدي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالإتيان بالجديد النافع في شتى مجالات العلوم النظرية والعملية مطلب لا يمكن للحضارات أن تتقدَّم ويكون لها فضل في واقع الإنسان وفي تراثه إلا به، وكل حضارة تنتهي فاعليتُها وأثرها من اللحظة التي تجمد فيها وتتوقف عن الابتكار.
ولا شك أن الأمة الإسلامية توقفت عن الابتكار منذ زمنٍ ليس بالبعيد في مقياس أعمار الحضارات، لكنه بعيد بالنسبة للتسارع المعرفي الذي استجد في الحضارة العالمية.
وفي ظل المراجعات العربية والإسلامية عن أسباب توقف حركة الابتكار بين المسلمين وجدنا أمرًا مؤسفًا جدًّا ممَّن يعالجون هذا الموضوع، لا بنظر الإنصاف والرغبة في الوصول إلى الحقيقة؛ بل بنظر الخصومة المعرفية أو العقدية، فيعمد بعيدًا عن الاستدلال العلمي إلى رمي السلفية بهذه التهمة، وقد كتبتُ عِدَّة مقالات نشرتُها في صحيفة الوطن أردُّ بها على هذه الدعوى، لكنها فِريَة؛ لكثرة دورانِها وتكرارِها وقِلَّةِ من يُوَاجهها أصبحت لدى كثيرٍ من المثقفين بمثابة المُسَلَّمة التي لا تقبل النقاش؛ الأمر الذي حفَّزني لهذا المقال رغم ما قد يجد فيه المتابِع لما أكتب من تكرار بعض المعلومات.
والمنهج السلفي بالدرجة الأولى منهج اتِّباعٍ وتلقٍ شَرْعِيَّيْن؛ ولهذا فهو مسؤول بالدرجة الأولى عن الابتكار في طرائق حَمل الشريعة ونقلها، ومن هذا الجانب، نجد علماء السلف كانوا قادةَ الابتكار في هذا الشأن، كما كانوا قادة المبدعين في بعض الفنون من غيرها.
فإذا قرأنا تاريخ العلوم التي أصبحت بها الأمة الإسلامية أُمة حضارية نجد أن كثيرًا منها ابتكار أتباع منهج السلف، ولو كانت السلفية لا تؤهِّل للابتكار؛ لكان الأَولى أن لا يكون السلف الذين ينتسب لهم السلفيون مبتكرين، لكن الأمر جاء عكس ذلك.
ولنبدأ بالعلوم الشرعية، وأولها: تدوين سيرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ومغازيه؛ فهي مِن أبرع الابتكارات العلمية، والتي أسهمت في حضور شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين حتى يومنا هذا، ولم يسبق المسلمين إلى ذلك أيٌّ من أتباع الأنبياء -عليهم السلام-، ولا مِن أتباع الملوك والقادة، وتدوين السيرة؛ إضافةً إلى كونه جهدًا علميًّا مبتكرًا، هو أيضًا تدبير تربوي ودعوي إصلاحي عظيم، ومع وجود كتابات في السيرة مبكرة جدًّا كمغازي عروة بن الزبير (تـ?? وقيل: غير ذلك)؛ إلا أن محمد بن إسحاق بن يسار (تـ???) يظل رائد هذا الفن؛ لما اشتمله كتابه من الصنعة الروائية الدقيقة من ذكر تاريخ العرب قبل الإسلام، الاجتماعي والثقافي والسياسي والعقدي والأخلاقي، وذِكْر ِالتفاصيل التي رافقت السيرة الطاهرة، وعدم الاقتصار عليها، مما يخدم فهم شخصية صاحبها -صلى الله عليه وسلم-، وأَثَرَ ما قام به على العقيدة والأخلاق في المجتمع العربي.
وقد نسج ابن إسحاق سيرته على غير مثال من أي أمَة سابقة، فيكون قد انتقل بالأمة الأمية إلى فَنٍ متقدم في الإبداع الإنساني أَدَبِيًّا وتاريخيًّا ودعويًّا.
والأمر كذلك في جميع فنون العلم الشرعي التي ابتكرها السلف، لم يكن لأي منها مثال صحيح سابق في الأمم التي قبلها.
وعِلْم رواية الحديث ودراسةِ الأسانيد من علوم السلف التي لم يشاركهم في ابتكارها أيٌّ من الأمم السابقة، وإن كان عِلْمًا جَمْعِيًّا، لا يُنسَب ابتكاره لأحدٍ بعينه؛ فهذا في ذاته إبداع إذ يعني أن مجتمع علماء السلف بلغوا من الرقي حدَّ أن يتواطؤوا على قواعد علم لا عهد للإنسانية به، انتهى تطوره إلى مدونات الحديث ذات الأساليب المختلفة في طريقة الترتيب، والتي انبثق منها تدوين علوم مصطلح الحديث التي فاقت الثلاثين علمًا لا نظير لها في طُرُق الرواية من فجر التاريخ.
وقَدَّم الإمام مالك بن أنس (تَـ???) وتلاميذه هذا الإبداع العظيم في التصنيف الفقهي عبر المدونات التي استقر أهل العلم منها على مُدَوَّنة سحنون (تـ???)، والتي كانت المَعْلَمَة الفقهية القانونية الأولى، والتي زعم بعض المستشرقين أنها وما بعدها من مدونات الفقه جاءت على نسق القوانين الرومانية، وهذا كَذِب من المستشرقين لا سند له إلا حسدهم للمسلمين أن يكونوا أول مَن قَدَّم المدونات القانونية والشرعية.
هذا بعض ما يتعلق بالإبداع في العلوم الشرعية التي هي محل اهتمام علماء السلفية.
أما غير علوم الشريعة: فنبدأ بعلم النحو الذي لا يُوجد في قواعد التحدث بجميع لغات العالم مِثْلُه، أسَّسَه التابعي الجليل المخضرم الثقة الفقيه المحدث: أبو الأسود الدؤلي (??هـ)، بإشارة من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
وعِلم اللغة الذي أصبحت اللغة العربية به أعظم اللغات جمعًا للمواد اللغوية، واللغة الوحيدة المحفوظ تاريخها وتطورها، نشأ على يد طبقة التابعين ثم كان أولَ جمع له على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي المحدث الثقة الزاهد، أدرك آخر عهد الصحابة وعهد التابعين، كما ابتكر الخليل فن ميزان الشعر، المسمى العروض، وفن القافية (???هـ).
وفنُّ النقدِ الأدبي كان أبرزَ مؤسسيه: الأديبُ المحدث الثقة محمد بن سلام الجمحي، وهو مِن أقران الإمامين: أحمد والشافعي سنًّا، وروى عنه عبد الله بن أحمد، ووثَّقَه ابنُ حبان.
وفن الاختيارات الأدبية، وهو من أخص الفنون التطبيقية للنقد الأدبي يُعَدُّ مبتكره المفضل الضبي (تـ???) صاحب كتاب الاختيارات في الشعر، والذي اشتهر باسم المُفضليات، وكان مشاركًا في رواية القرآن، وتلا عليه الكسائي، وقال عنه الخطيب البغدادي: "كان إخباريًّا علامة موثقًا"، وقال ابن المبارك حين سمع نعيه:
نعيَ لي رجالٌ والمفضَّل منهمُ وكيف تقر العين بعد المفضل
وعلم التاريخ: هو من العلوم التي ابتكرها السلف -رضي الله عنهم- وتداولوها، وأول مَن دوَّن فيه على المنهج الحولي أحد أئمة الحديث، وهو: خليفة بن خياط، صاحب الكتاب المعروف باسمه: (تـ ???).
وتنوع علم التاريخ تنوعًا لم يفعله في أمة قبل الأمة الإسلامية على يد أهل الحديث أولًا، ثم تناوله الجميع، فكان علم تاريخ الطبقات، ولعل مِن أوائلها: طبقات محمد بن سعد (تـ???)، وكتب التاريخ للفتوحات، وكان من أوائلها: كتاب أحمد البلاذري (تـ???) فتوح البلدان.