شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفية والإبداع

محمد السعيدي • المنهج السلفي

والتأريخ للمدن وذكر أعيان أهلها: كتاريخ نيسابور للحاكم النيسابوري (تـ???)، وتاريخ أصفهان للمحدث الزاهد أبي نعيم الأصفهاني (تـ???)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (تـ???)، وغيرها من تواريخ البلدان التي تُعدُّ أول كتب اعتنت بالتاريخ الاجتماعي والأخلاقي.

أما فيما يتعلق بالعلوم النظرية التجريبية: فقد كانت الدول الإسلامية التي رعت المنهج السلفي وهي الدولة الأموية والدولة العباسية حتى عصر المأمون كانت راعية لتلك العلوم، وظهر فيها وتحت عنايتها كبار الأطباء والرياضيين والجغرافيين، والفلكيين والكيميائيين والمهندسين، وكان الأمير خالد بن يزيد (تـ??) من أوائل الكيميائيين المسلمين، وقد عظمت رعاية الدولة لهذه العلوم في عهد أبي جعفر المنصور (تـ???)، الذي كان يعتني هو بنفسه بها، وهو مع انشغاله بتأسيس الدولة ثم بالخلافة كان عالمًا فقيهًا صحيح العقيدة، مع ما روى له التاريخ من أخطاء، وجاء حفيده هارون الرشيد (تـ???)، فأسس بيت الحكمة، وجمع فيه من رواد هذه العلوم العدد الكبير كجابر بن حيان (تـ???) مؤسس المنهج التجريبي في الكيمياء، ومحمد بن موسى الخوارزمي (تـ ???) الذي جمع بين تلك العلوم وأبدع في جميعها، ومعروف بتأسيس علم الجبر وغيره من المخترعات.

وغير هذين كثير من الرياضيين والكيميائيين والمهندسين عَمَرَ بهم ذلك العهد، وهو عهد سلفي من حيثُ نظام الحكم، ومن حيث الجو العلمي السائد، ولم يُعرف من علماء الشريعة في ذلك العصر -وهم كبار مراجع العلم السلفي- اعتراض على هذه العلوم، ولا على تشجيع الدولة لها، وبين أيدينا فتاوى الأئمة الأربعة وأئمة أهل الحديث، وليس فيها شيء من ذلك؛ وذلك لأن علماء بيت الحكمة مع انحراف كثيرٍ منهم عقديًّا؛ بل بعضهم مِن النصارى والصابئة، كانوا ملتزمين علومهم العملية التي لا تتعارض مع الدين، وملتزمين الأدب مع تراث الأمة ومشاعر المجتمع؛ لذلك لم يعرف ذلك العهد مواجهة بينهم وبين علماء الشريعة.

وفي آخر عهد المأمون (تـ???) تراجع بيت الحكمة عمَّا أُسِّسه هارون الرشيد لأجله؛ لأن الخليفة شَغَل هذه المؤسسة بالعلوم التي لا جدوى منها كفلسفات ما وراء الطبيعة، وسَخَّرَ جهود المترجمين لها، مما أدَّى إلى الانصراف الكامل عن التقدُّم بالعلم النظري والتجريبي عن رعاية الدولة، وانشغال الأذكياء بالخصومات الدينية التي أوجدها تراجمةُ الفلسفة وترهاتِها، ورَعَت الدولة هذه الخصومات ولم تقف منها موقفًا محايدًا، وإنما تَعَصَّبَت لخلاف مذهب أهل السنة والجماعة، ومع ذلك لم يعترض العلماء إلا على الفلسفات التي تتعارض مع الدِّين، ولم يعترضوا قط على العلوم العملية النافعة، ومَن سُجِن مِن المشتغلين بتك العلوم، فليس لعلماء الشريعة دور في سجنه، كجابر بن حيان الذي اعتُقِل بسبب علاقته بالبرامكة، وهو شأن سياسي محض.

هكذا كان الحال في عصر السلف -رضي الله عنهم-، ومِن المُلاحَظ تاريخيًّا: أنه حتى بعد عصور السلف الأولى وغَلَبَة المذاهب البدعية، لم يكن علماء الشريعة يُعَارضون أهل العلوم العملية ما داموا لم يعتدوا على العقيدة، فإذا فعلوا ذلك فليس للعلماء إلا بيانُ الحق، لكنَّ مَن نُكِب منهم لا يُثبتُ التاريخ أن واحدًا منهم كان علماء الشريعة وراء نكبته، وأَظْهَرُ مثالٍ لذلك: ابن سينا (تـ???)؛ فبالرغم مما تضمنته بعض مؤلفاته من كفريات، فإن ما تَعَرَّض له من سَجْنٍ كان بسبب عمله في السياسة، ولعل أبرز فتوى بتكفيره كانت بعد وفاته بنحو مائة عام مِنْ قِبَلِ أبي حامدٍ الغزالي (تـ???)، وهو ليس من السلفيين، ومع ذلك فهو لم يقل -رحمه الله- فيه إلا حقًّا، ولم يتطرق في فتواه تلك لمعارفه العملية النافعة من الطب والرياضيات، والفلك والجغرافيا، بل ظلت محل إجلال، ومَن قرأ ترجمة الذهبي لابن سينا في سير أعلام النبلاء يجد عظم حجم الإشادة به مِن أول الترجمة، ثم ذكر توبته، ونقل وصيته.

هذا، والملحوظ: أن توقف التطور في أكثر هذه العلوم سوى الهندسة العمرانية ابتدأ مع انتهاء سيادة الفهم السلفي للدين، وشيوع الفكر البِدعي الخُرافي للمذاهب المنحرفة، مِن: صوفية، وباطنية، وغيرها، وبقي الأمر كذلك حتى أوطأ الجهلُ الأعداءَ في جميع ديار المسلمين إلا ما شاء الله، ولم يُعِدْهُم إلى يَقظتهم إلا عودة الحياة للمنهج السلفي مع قيام الدولة السعودية الأولى، والتي كانت بمثابة إشارة الانطلاق للحياة الفكرية في العالم الإسلامي، والانتفاضة المباركة على الخرافة والجهل، فكانت تلك الحركة السلفية هي الأم لجميع حركات التحرر الفكري، وأم لجميع حركات التحرر من الاستعمار، وأم لجميع حركات التحرر من الجهل، الموافقة منها لمنهج السلف والمخالفة له، الجميعُ لم يُقْدِم نحو التحرر إلا بتأثير من الدعوة السلفية، وإن قال مَن قال زورًا: إن ذلك بتأثير الحملة الفرنسية؛ فليس لهذا القول سند إلا مِن الوهم، وكما يُقال: الإنصاف عزيز.

نخلص من كل هذا: أن ذلك المغتر الذي ألَّف كتابًا عن السلفية يزعم عداوتها للابتكار لم يحمله على ذلك بحث ولا علم، وإنما موجة عابرة تجاه السلفية ركبها يظن لعماه أنها سنام بعير.

الصفحة السابقة