عِبَر من قصة سليمان -عليه السلام-
عصام حسنين • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكر الله -تعالى- قصص أنبيائه ورسله -عليهم السلام- في كتابه؛ ليكونوا قدوة، وذكرى للعابدين، كما قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) (يوسف:111) ، وقال في ذِكْر أيوب -عليه السلام-: ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) (الأنبياء:84 )، وقال: ( ?أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام:90 ) .
ومن ذلك ما ذكره الله -تعالى- عن نبيه سليمان -عليه السلام- في سورة "صاد" من أنه "أواب"، أي: رجَّاع إلى ربه -تعالى-، كثير التوبة والإنابة، قال الله -تعالى-: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ . فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ . رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) (ص:30-33) .
فقوله -تعالى-: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ) أي: نبيًّا؛ فقد كان له بنون غيره، وهذه كقوله -تعالى-: ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (النمل:16) ، أي: في النبوة، ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) أي: رَجَّاع إلى ربه منيب.
( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ) أي: "عُرِض عليه في حال مملكته وسلطانه، الخيل الصافنات، قال مجاهد: هي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. والجياد: السراع، وكذا قال غير واحدٍ مِن السلف. وقد كان عددها كثيرًا، حتى قال إبراهيم التيمي: كانت عشرين ألفًا، فعقرها. قال ابن كثير: وهذا أشبه، والله أعلم" (تفسير ابن كثير) .
( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) : ذكر غير واحد من السلف: أنه شُغِل بعرضها حتى فاتته صلاة العشي (العصر)، والذي يُقطع به أنه تركها نسيانًا لا عمدًا. ويُحتمل أنه كان سائغًا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، وإنما تُراد الخيل للقتال، وهذا أقرب؛ لأنه قال بعدها: ( رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ).
وللسلف قولان في المقصود بالمسح:
قال ابن كثير -رحمه الله-: " قال ابن عباس: مسح أعراف الخيل وعراقيبها حبالها، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقال معللًا: لأنه لم يكن ليقتل ويعذب حيوانًا بالعرقبة بلا سببٍ سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها. قال ابن كثير: وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر . ..
والقول الثاني: عرقبها وعقرها: قال الحسن وقتادة وغير واحد من السلف: لا والله، لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعُقرت. قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: وقد يكون في شرعهم جواز ذلك؛ لا سيما إذا كان غضبًا لله -عز وجل-؛ بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج منها عوَّضه الله -تعالى- ما هو خير منها، وهي الريح؛ فهذه أسرع وخير من الخيل ... وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ) (أخرجه أحمد في المسند) " (انتهى من تفسير ابن كثير بتصرف) .
و هذا موقف في التوبة عجيب!
ثم ذكر - تعالى- موقفًا آخر له، فقال: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ . وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ . وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ . هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) (ص:34-40) .
قوله تعالى: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ) أي: ولقد اختبرناه بأن سلبناه المُلك مرة. ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ): قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد من السلف: شيطانًا متمثلًا بإنسان.
قال السعدي -رحمه الله-: "قضى الله وقدَّر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان" (تفسير السعدي) .
( ثُمَّ أَنَابَ ): رجع إلى ربه -تعالى-، وتاب إليه.
( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) أي: اغفر لي ذنوبي، وأعطني ملكًا خاصًّا بي، لا يكون لأحدٍ مِن بعدي مِن البشر مثله.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو الصحيح ... ولحديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا ) (متفق عليه) ".
( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ) أي: حيث أراد مِن البلاد.
قال الحسن البصري: "لما عقر سليمان الخيل غضبًا لله -عز وجل- عوَّضه الله ما هو خير منها، وأسرع؛ الريح التي غدوها شهر، ورواحها شهر".
- ( وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ) أي" سخَّر الله -تعالى- له الشياطين يبنون له ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي.
- ( وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ) أي: مَن عصاه قرنه في الأصفاد وأوثقه.