عِبَر من قصة سليمان -عليه السلام-
عصام حسنين • من نور الوحيين
- ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) أي: فقر به عينًا؛ فأعطِ مَن شئت، أو أمسك عمَّن شئت بغير حساب عليك؛ لعلمه -تعالى- بكمال عدله، وحُسن أحكامه.
- ( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) أي: وهو مِن المقربين عند الله، المكرمين بأنواع الكرامات.
فوائد القصة:
في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد والدروس، فمن ذلك:
1- أن نعمة الولد محض فضل من الله -تعالى-: ومِن قرة العين للعبد أن يرزقه الله -تعالى- ولدًا صالحًا، وإن جعله عالمًا كان نورًا على نور.
2- اتفقت الأمة على أن الرُّسُل معصومون في تحمل الرسالة: فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، إلا شيئًا قد نُسِخ، وأنهم معصومون في التبليغ عن الله -سبحانه وتعالى-، ولا يكتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، وكذا من الكبائر دون الصغائر.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدى: أن هذا قول الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير، والحديث، والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة، والصحابة والتابعين وتابعيهم، إلا ما يوافق هذا القول" (انتهى) ، لكنهم لا يُقرون عليه؛ فيسارعون إلى التوبة والإنابة، كما ذكر الله -تعالى- عن الأبوين قولهما: ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف:23) .
وقال عن داود -عليه السلام-: ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) (ص:24) ، ومدح سليمان -عليه السلام- في هذه الآيات بقوله: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ )، كما أنهم بعد التوبة يكونون أكمل حالًا كما وجدنا ذلك في هذه الآيات الكريمة.
قال بعض السلف: "كان داود -عليه السلام- بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة"، وذنبه هنا هو: تسرعه في الحكم قبل أن يسمع من الخصم الثاني.
وقال السعدي -رحمه الله-: "وفيه اعتناء الله بأنبيائه إذا وقع منهم بعض الخلل بما يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل حالاتهم".
3- التوبة أحب الأعمال إلي الله: قال الله- تعالى-: ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (البقرة:222) ، وقال - صلى الله عليه وسلم-: ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ ) (رواه مسلم) .
وقال بعض السلف: "لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه".
ولذلك فإن التوبة هي للمؤمن وظيفة عمره.
4- في توبة سليمان -عليه السلام- وإنابته إلي الله -تعالى-: ذكرى عظيمة للمؤمنين؛ لا سيما وأن ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، أنهم إذا أذنبوا سارعوا بالتوبة والإنابة إلى الله -تعالى-، ولم يُصروا، أو يسوفوا.
و إن كان ثَمَّ قواطع أو شواغل تشغلهم عن أداء الواجب، أو التي توقعهم في معصية الله -تعالى- تخلصوا منها ابتغاء مرضاة الله، كما فعل سليمان -عليه السلام- فقد عقر الخيل لما شغلته عن صلاة العصر حتى خرج وقتها، فعوَّضه الله خيرًا منها الريح، كذلك إذا ترك العبد شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-.
قال السعدي -رحمه الله-: "ومنها: أن كل ما أشغل العبد عن الله، فإنه مشؤوم ومذموم فليفارقه، وليقبل على ما هو أنفع له".
5- شكرُ العبد لربه -تعالى- على هدايته للملة الحنيفية، والشرعة السمحة: فهي شريعة المحاسن، ومن محاسنها: أن الله لم يجعل شرع مِن قبلنا شرعا لنا إلا إذا جاء في شرعنا ما يوافقه، فقد يكون عقر الخيول غضبًا لله -تعالى- إن شغلته عن الصلاة جائزًا في شرعة سليمان -عليه السلام-، لكنه ليس بجائز في شرعنا إتلاف المال؛ فقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال، والضرر لا يزال بالضرر؛ إنما على العبد أن يتوب إلى الله -تعالى- بأن يقلع عن الذنب فورًا، ويعزم على عدم العود، وأن يفارق أسباب المعصية، وإن تصدق به فلا بأس؛ فقد تصدق عمر -رضي الله عنه- بأرض قيمتها مائتا ألف درهم لما فاتته صلاة العصر في جماعة (الإحياء) . والله أعلم.
6- تقديم سليمان -عليه السلام- محبة الله -تعالى- على محبة كل شيء.
7- قال السعدي -رحمه الله-: "ومنها القاعدة المشهورة: أن مَن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، فسليمان -عليه السلام- لما عقر الخيل الجياد المحبوبة لنفسه تقديمًا لمحبة الله، عوَّضه الله خيرًا منها الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وسخَّر له الشياطين التي تعمل أعمالًا لا يقدر عليها الآدميون".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "العوض أنواع مختلفة، أجلُّها الأنس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوته، ونشاطه، وفرجه ورضاه عن ربه -تعالى-".
8- أن تسخير الشياطين لا يكون لأحدٍ بعد سليمان -عليه السلام-.
9- قال السعدي -رحمه الله-: "إن حال النبي العبد أكمل مِن حال الملك النبي، فالملك النبي يفعل ما أراد في حدود العدل، أما النبي العبد فلا يفعل إلا بالأمر كحال نبينا -صلى الله عليه وسلم- فكانت أكمل، وقد خُيِّر -صلى الله عليه وسلم- بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا؛ فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا -صلى الله عليه وسلم-".
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.