الفساد (108) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (10)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتقوم الزراعة في العصر الحديث على التقدم العلمي، والبحوث والابتكارات؛ لذا فيعتبر مركز البحوث الزراعية في مصر المحور الأساسي في تنفيذ الحملات القومية لاستنباط أصناف من المحاصيل وسلالات جديدة وتحسين جودة الأصناف الحالية.
ويتولى المركز وضع وتنفيذ مشروعات وبرامج وخطط البحوث الزراعية، ويتبع المركز 16 معهدًا، و10 معامل مركزية، و19 محطة بحوث، و23 إدارة تجارب زراعية تغطي جميع محافظات مصر.
ومن مهام مركز البحوث الزراعية: إنشاء قاعدة بيانات دقيقة، وإحصائيات متكاملة تعطي الفرصة للباحثين للاستفادة من نتائج البحوث الجديدة، والتعرف على المعلومات الحديثة في مجال الزراعة، كما يقوم بتطوير الإرشاد الزراعي، وتوفير كل مستلزمات الإنتاج. والمركز في ذلك كله يتعاون مع المنظمات العلمية والبحثية الأخرى إقليميًّا ودوليًّا.
وللأسف: فنحن في مصر لا نستفيد كثيرًا من جهود باحثينا العلمية وابتكاراتهم، رغم كل ما يبذلونه فيها من جهد وفكر وعطاء، ورغم ما يقدِّمونه في كثيرٍ من الأحيان من حلول وعلاج لمشاكلنا الزراعية المستجدة؛ إذ لا يجدون مَن يطبقها ويستفيد منها على الأرض.
ويزيد الأمر أسفًا: أن منها ما ينشر في مجلات عالمية، ويقدم في مؤتمرات دولية، وينال الإعجاب والثناء، بل وربما تتبناه بعض الدول الأجنبية فينجح نجاحًا كبيرًا، ويعطي نتائج باهرة.
إننا في مصر نحتاج إلى الاستفادة من الأبحاث العلمية وإلى الاطلاع على والأخذ بالأفكار غير التقليدية والابتكارات التي تقدم من هنا وهناك؛ خاصة ما تثبت دراسات الجدوى جديتها، خاصة ما كان منها من المتاح الذي يمكن على أرض الواقع تطبيقه عمليًّا، أو يقوم بحل معضلات كبيرة بأبسط الطرق والأساليب وبما هو في قدراتنا وإمكانياتنا.
والأمثلة هنا على ذلك كثيرة، نشير إلى اليسير منها:
حل مشكلة ورد النيل: يعاني نهر النيل ولسنواتٍ طويلةٍ من ظهور نبات ورد النيل وانتشاره حيث يتكاثر هذا النبات ويغطي نهر النيل وترعه ومصارفه بسرعة رهيبة، ويستهلك كميات كبيرة من المياه، ويتسبب في إعاقة الملاحة في النهر وضعف جريانه. وهي بالطبع مشكلة كبيرة تسببت في قلق كل العاملين في مجال الزراعة الذين يتطلعون إلى وضع الحلول المناسبة والفعالة لها مهما تكلف الأمر.
وفي عام 1978 -أي: مِن أكثر من 40 عامًا- حصل أحد طلاب كلية زراعة عين شمس على درجة الماجيستير عن استخدام نبات ورد النيل في تغذية الحيوان، وبعدها بخمس سنوات -في عام 1983- حصل نفس الطالب على درجة الدكتوراة من نفس الكلية عن الاستخدام الأمثل لنبات ورد النيل في تغذية الحيوان بصور وأشكال مختلفة، ثم قام هذا الطالب الحاصل على الدكتوراه -بعد ذلك- بالمشاركة مع زملاء له بإجراء عددٍ مِن البحوث حول نفس الموضوع الذي يتناول كيفية حل مشكلة ورد النيل والاستفادة منه.
وهذه الأبحاث التي لم تجد مَن يطبقها تقدِّم للدولة فوائد عديدة حال تطبيقها والأخذ بها على نطاق واسع:
- فهي تتطلب رفع ورد النيل من النهر للاستفادة منه في تغذية الحيوانات، وهي وسيلة ميكانيكية لعلاج المشكلة، وبديل عن استخدام أي مبيدات كيمائية في مقاومة ورد النيل.
وقد قررت وزارة الري بالفعل منع استخدام المبيدات في مقاومة ورد النيل؛ لأنه سيتسبب في تلوث كيماوي محقق للنهر يؤثِّر على الصحة العامة للإنسان والحيوان، ويؤثر على الثروة السمكية.
- وهي تؤكِّد على إمكانية تحويل نبات ورد النيل إلى مكون من مكونات علف الحيوان -أي: جزء من تركيبه-؛ إذ لا يصلح النبات وحده أن يكون علفًا لكون مذاقه غير مستساغ للحيوان. ويمتاز النبات بعد تجفيفه بوجود نسبة طاقة ونسبة بروتينات به، وهذا بدوره يساهم بدرجة كبيرة في حل مشكلة العلف الحيواني في مصر، الذي هو أحد أسباب ارتفاع أسعار اللحوم في مصر نتيجة ارتفاع أسعاره.
فهذه الأبحاث المهمة المفيدة: التي قام بها الدكتور "محسن شكري" -وهو الأستاذ المتفرغ بالمركز القومي للبحوث حاليًا- خلال دراسته للحصول على درجتي: الماجستير والدكتوراة، وبالتعاون مع زملاء له بعد ذلك منذ عقود تقدِّم حلًّا واقعيًّا ممكنًا يساهم في القضاء على مشكلة ورد النيل من جهة، ويساهم في حل مشكلة علف الحيوان من جهة أخرى، بكيفية واقعية ممكنة وبجهود مصرية خالصة، ولكنها جهود ضائعة لم يتم الاستفادة منها على نطاقٍ واسعٍ كما ينبغي؛ رغم شدة الحاجة إليها! (للاستزادة راجع مقال: "اسألوا ورد النيل والعلف" من سلسلة مقالات: "خارج دائرة الضوء" للكاتب الصحفي إبراهيم حجازي - جريدة الأهرام - عدد الجمعة 21 سبتمبر 2018، ص17) .
قال الكاتب إبراهيم حجازي في المقال: (الذي تم من 40 سنة لم نرَ تطبيقاته صناعيًّا للآن، ليس هناك علف يباع في الأسواق من ورد النيل أو ورد النيل جزء من مكوناته ... لماذا؟ لأن الباحث في معمله يكفيه الجهد الهائل المبذول عقليًّا ونفسيًّا ... يكفيه القلق الغريب الذي يعيشه ... في عمل عرف بدايته يوم بدأ البحث ومستحيل أن يعرف نهايته ... يكفي الباحث توصله إلى نتائج أفرزتها الأبحاث وأوصلته إلى حلول لمشكلات ... أخذت من عمره سنين، الباحث أوجد الحل ... أما تطبيقات الحل التي تحوله إلى منتج في الأسواق فهذا هو الجهاد الأكبر؛ لأنه يتطلب نيات طيبة -هي شحيحة هذه الأيام- تحول النتيجة التي وصل إليها البحث العلمي إلى واقع يستفيد منه الوطن ... وهذا الأمر يتطلب تضافر وتعاون جهات كثيرة تضع المصلحة العامة في عقلها وقلبها وعيونها، يتطلب استثمارًا حقيقيًّا قادرًا على الإنفاق إلى أن تتحول نتائج البحث العلمي إلى واقع موجود في السوق) (المصدر السابق) .
حل مشكلة العلف:
تعاني مصر وبشدة من أزمة العلف الحيواني، والتي هي أحد أسباب تواصل ارتفاع أسعار اللحوم فيها، وقد أظهرت أبحاث عديدة إمكانية الاستفادة من العديد من المخلَّفات العضوية أو الزراعية في إنتاج العلف للحيوانات والدواجن، منها: استخدام ورد النيل -كما أسلفنا-، ومنها استخدام نواة البلح وبذرة الزيتون بعد الطحن، ومنه استخدام العديد من المخلفات الزراعية بعد فرمها.