الفساد (108) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (10)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وللأسف: لا تجد هذه الحلول الممكنة -والتي توفِّر مليارات تدفع لاستيراد العلف، وتساهم في خفض أسعاره وبالتالي: خفض أسعار اللحوم والدواجن- أي آذان صاغية، أو قلوب حريصة على مصلحة الأمة.
قال الكاتب إبراهيم حجازي تعقيبًا على استخدام ورد النيل في علف الحيوانات: (كلنا يعرف أنه يصلح علفًا أو مكونات العلف، وكلنا نسي الأمر ليبقى ورد النيل واحدًا من أكبر مشكلاتنا؛ لأن شريحة لا أعرف عددها، لكن أعلم يقينًا أنها ضد أن يكون علفًا؛ لأنه دخول في مناطق ملغومة، لأن أعلاف الحيوانات أحد أركان (دولة) اللحمة، والأعلاف سوقها نار، ولا بد أن تبقى النار مشتعلة) (المصدر السابق) .
وقال الكاتب في موضعٍ آخر من مقاله: (عندنا منجم علف، هو بذور ونوى ثمار كثيرة ولم نفكر فيها. تفتكروا حضراتكم ليه؟ السؤال طرحته على الأستاذ الدكتور حمدي السيد أستاذ تغذية الحيوان بزراعة عين شمس -الأستاذ المتفرغ حاليًا- قال: (نحن لا توجد عندنا أزمة علف، الموجود أزمة إدارة لم تعرف للآن كيف تستفيد من 48 مليون طن مخلفات زراعية لخضر وفاكهة ومحاصيل إلى جانب مخلفات حيوانية، وكلها مواد عضوية صالحة جدًّا لأن تكون علفًا للحيوان. الثروة الحيوانية في مصر تحتاج إلى 12 مليون طاقة من العلف، والأعلاف الموجودة حاليًا تغطي 9 ملايين طاقة، وهذا معناه وجود فجوة مقدارها 3 ملايين طاقة. عندنا عجز 3 ملايين رغم أنه عندنا مخلفات زراعية هائلة يمكن أن تقدم أعلافًا توفِّر طاقة تزيد على احتياجاتنا.
على سبيل المثال: مخلفات الطماطم بعد عصرها نسبة البروتينات فيها 33 %. قشر البرتقال فيه طاقة تقترب من الطاقة الموجودة في الشعير). (لا توجد عندنا إدارة للموارد العلفية، نستورد الفكر من الخارج باستيرادنا العلف من الخارج، رغم أنه في مصر مدرسة مصرية لا يوجد مثيل لها! ولماذا نذهب بعيدًا وكسب القطن أكبر شاهد على كفاءة وتقدم علماء مصر. كسب بذرة القطن الناتج من عصير البذرة، قشرة هذه البذرة التي تم عصرها كانت مخلفات يتم رميها وعدم الاستفادة منها إلى أن جاء الدكتور كمال غنيم في الخمسينيات وقام بكبس قشور بذرة القطن في مكابس صانعًا منها كسب بذرة القطن الذي كان -وما زال- عمدة الأعلاف الحيوانية للآن. مخلفات الخضر والفاكهة تقريبًا حجمها 6 ملايين طن، نسبة البروتين في هذه المخلفات من 25 % إلى 35 %، بمعاملات بسيطة لها تكون علفًا حيوانيًّا بنسبة طاقة من 50 إلى 60 %. لا بد أن يكون في كل محافظة جهاز مسئول عنده مسح شامل لكل ما ينتج من المحافظة من مخلفات زراعية، وهي تختلف من محافظة لأخرى. ومهم جدًّا معرفة هذه المخلفات ونوعياتها وحجمها، والمركز الإقليمي للأغذية والأعلاف بوزارة الزراعة عنده تحليل لكل المخلفات في مصر، والمطلوب كل محافظة ما هي مخلفاتها الزراعية، وكيف نستفيد منها؟)، (انتهى كلام الدكتور حمدي السيد، لكن القضية لم تنته، رغم إننا نملك العلماء وعندنا الأفكار وعندنا الحلول، لكن كل ما عندنا عند نقطة بعينها يتخشب ويتمسمر في الأرض، وفكرة خارج الصندوق ما إن نعرفها لا نجدها) (المصدر السابق بتصرفٍ) .
استغلال الطمي المتراكم في بحيرة ناصر:
تُعد بحيرة ناصر أكبر بحيرة صناعية في العالم، يبلغ طولها: 550 كيلو مترًا، وأقصى عرض لها: 35 كيلو مترًا، وأقصى عمق لها: 180 مترًا، ومساحتها 250 و5 ألف كيلو متر مربع. وهذه المساحة الهائلة أصبحت تضم حاليًا أكبر كمية طمي مترسب في العالم، والتي ترسبت عبر عقود منذ إنشاء السد العالي إلى الآن.
وهذا الترسب للطمي يزيد سنويًّا بما يؤثر على حجم التخزين في البحيرة ويقلله سنويًّا، وبالتالي: يمكن أن يؤثر على اندفاع المياه، وعلى حركة توربينات السد العالي التي تولد الكهرباء، فمع قلة حركة اندفاع المياه بالتدريج ستقل الكهرباء المولدة منها؛ بالإضافة إلى نقص الثروة السمكية في البحيرة، وهي ثروة سمكية تعاني من أننا لم نستفد منها الاستفادة المرجوة حتى الآن، ويرى البعض ضرورة التخلص من الطمي المترسب في البحيرة، وتزداد الضرورة إذا علمنا أن بالإمكان الاستفادة من هذا الطمي الهائل استفادة عظيمة -نحن في أشد الحاجة إليها- للنهوض بالزراعة التي تراجعت كثيرًا في مصر.
الاستفادة الأولى:
في تحويل الأراضي الصحراوية على ضفاف البحيرة إلى أراضي خصبة سمراء مستصلحة تزيد عن مليون فدان من الأراضي الخصبة التي لا تحتاج في زراعتها إلى مياه من النيل، أي: لا تنتقص من حصتنا المائية شيئًا؛ لأن نظام الري فيها يقوم على رشح بحيرة ناصر، خاصة وأن المياه الجوفية على عمق أمتار قليلة من سطح الأرض بشواطئ البحيرة، مع الاستفادة الكبرى من الطاقة الشمسية هناك.
لقد تسبب نقص الطمي لعقود بسبب ترسبه في بحيرة ناصر في إضعاف كثافة وخصوبة الأراضي الزراعية في دلتا النيل، وتآكلها من جهة البحر لقلة الطمي الوارد لها من مياه الري، و(اكتملت مأساتها بتجريفها وتغيير هويتها، من أرض زراعية إلى أرض سكنية، من أرض تنبت منها الزراعات التي نعيش على محاصيلها إلى أرض زرعنا في جوفها الحديد والخرسانة، لتعلو على سطحها الأبراج والعمارات. الأرض التي نعيش على خيراتها بالزراعة في أرضها السمراء الصالحة لزراعة ما نأكله وتأكله حيواناتنا، هذه الأرض زرعنا فيها مساكن، ورحنا ننفق أموالًا طائلة بلا سقف لأجل تطويع الأرض الصحراوية للزراعة) (من مقال الكاتب الصحفي إبراهيم حجازي "فكرة تجعل بحيرة ناصر سلة غذاء العالم" الأهرام - عدد الجمعة 20 ديسمبر 2019، ص 17) .