شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفتاوى المبنية على متغيرات تتغير بتغيرها (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أولًا: تمهيد حول قاعدة: "الفتاوى المبنيَّة على متغيراتٍ تتغير بتغيُّرها بما تقتضيه نصوص الكتاب والسنة"، فإن قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، قاعدة من القواعد المتقررة لدى علماء الشريعة عبر الأزمان.

وقد أُخِذَت هذه القاعدة من اختلاف إجابات النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوقائع المتشابهة بأجوبةٍ مختلفةٍ تختلف باختلاف حال السائل في كلٍّ مِن الواقعتين، فقال -صلى الله عليه وسلم- مرة لسائل سأله عن أفضل الصدقة: ( خَيْرُ الصَّدَقَةِ ‌مَا ‌كَانَ ‌عَنْ ‌ظَهْرِ ‌غِنًى ) (متفق عليه) ، وقال لآخر في إجابة على ذات السؤال: ( جُهْدُ الْمُقِلِّ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .

فأخذ العلماء مِن ذلك: أن مَن أدَّى الزكاة الواجبة عليه فيُرشَد إلى الصدقة بما يزيد عن حاجاته حتى لا يدخل له الشيطان إذا أنفق قبل استيفاء حاجته، أن الصدقة أفقرته وأحوجته، و ... ولكنه -صلى الله عليه وسلم- لما عَلِم مِن السائل الآخر قوة إيمانه، أرشده إلى الدرجة الأعلى، وهي: الإيثار، وهي الصدقة المجهدة لصاحبها رغم أنه لا يجد كفايته، وبهذا فهمنا المقصد الشرعي متكاملًا.

فمِن الناس مَن يقول: إنه لن يزيد عن الفرائض، ولن ينقص منها شيئًا، وهذا يُقَال له كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عمَّن قال ذلك: ( ‌أَفْلَحَ ‌إِنْ ‌صَدَقَ ) (متفق عليه) .

ومنهم مَن يرغَّب إذا وُجِد معه ما يزيد عن حاجته أن يتصدق، ويُقَال له: هذا أفضل حال "لك".

ومنهم مَن يرغَّب في الإيثار.

وعلى هذا سار الصحابة، والتابعون، والأئمة الأعلام في فتاواهم.

ثم لما شَرَع العلماء في تدوين القواعد لكي يهتدي بها مَن لم يحظَ بذات درجة فقه الأولين، قرروا قاعدة: "تغيُّر الفتوى بتغيُّر الأحوال"؛ ليستفيد منها أهل العلم في دراسة تراث السابقين، ولكي يطبِّقونها فيما يفتون بها أهل زمانهم؛ بيد أن هذه القاعدة مما ‌أُسِيءَ فهمه حينًا وأُسيءَ توظيفه حينًا حتى عَدَّها البعض مسوِّغًا لمصادمة أمر الله -عز وجل-: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الجاثية:18) ، وقول الله -عز وجل-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، بل إن الله أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن ينفي هذا الأمر عن نفسه، فقال: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (يونس:15) .

ومن هنا احتاجت هذه القاعدة إلى بيانٍ وتوضيحٍ، وربما امتد هذا البيان إلى تعريف القاعدة ذاتها لنضيف إليها في صياغتها قيودًا، اتَّفق أهل العلم عليها على مرِّ العصور، ولكن غفل أو تغافل عنها المعاصرون، ومن باب التوضيح نقترح هذه الصياغة للقاعدة: "الفتاوى المبنية على متغيراتٍ تتغير بتغيرها بما تقتضيه نصوص الكتاب والسنة".

ثانيًا: مثال توضيحي:

لكي نستوعب المسألة نضرب مثالًا محسوسًا -ولله المثل الأعلى-، ولنتصور الآن ثلاثة مستويات:

الأول: القانون.

الثاني: القرارات الإدارية المكملة للقانون.

الثالث: الأحكام القضائية.

ولنبدأ بالدرجة الثالثة: "وهي: تغيير الأحكام القضائية مِن قضية إلى أخرى بناءً على ملابسات القضية": وهي: الحكم القضائي، فإذا -مثلًا- عُرِضت على القاضي قضيتان متطابقتان، ولنفترض مثلًا: أنهما حادثتا سيارة، ولنفترض أنَّ الحادثتين كانتا متطابقتين في مقدار الضرر الحادث، ولكن ثمة متغيرات، (ألزم القانون) القاضي بالنظر فيها، وجعل الحكم يتأثر بها؛ سواء بالبراءة أو الإدانة، أو درجة العقوبة حال الإدانة، مِن أهمها مثلًا: هل السائق يحمل رخصة أم لا؛ لأنه في حالة عدم حمله للرخصة يغلِّظ القانون العقوبة جدًّا، ثم مدى مسئوليته عن الحادث وَفْق تقرير الجهات المعنية.

وبالتالي: فإذا حكم القاضي -مثلًا- في إحدى القضيتين بعقوبةٍ ما، وفي الأخرى بعقوبةٍ مختلفةٍ؛ فهو في كلتا الحالتين يطبِّق ما ألزمه به القانون.

وأما الدرجة الثانية: "وهي: القرارات الإدارية": فسنجد أن المجلس التشريعي في أيِّ بلدٍ؛ استجابة لنصوص دستورية تلزِم أجهزة الدولة بحماية أرواح المواطنين وأموالهم، قرَّر قواعد مرورية ورتَّب عقوبات على كلٍّ منها، راعى فيها أن تتناسب مع الخطأ، وأن تحقق الردع العام والخاص، ولكنه يخَاطِب الأجهزة التنفيذية بأن تتولَّى هي تحديد السرعة القصوى لكلِّ طريقٍ، وربما فوَّضها في تقدير عقوبات بعض المخالفات، ومِن ثَمَّ فإذا كان هناك -مثلًا- طريق معدود في الطرق السريعة، ثم تكاثرت البيوت حوله فإنه يتعين على تلك السلطات: أن تصدِرَ قراراتٍ بإعادة توصيف تلك الطرق، باعتبارها طرقًا داخلية، ومِن ثَمَّ تقل السرعة القصوى المسموح بها فيها.

وأما الدرجة الأولى: "وهي: الدستور والقانون": فقد افترضنا هنا أنها ثابتة، مع كونها متغيرة، أو قابلة للتغيير باعتبارها مِن وضع البشر الذين قال الله فيهم: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) (الإسراء:85) ، وهذا هو الفرق -الذي لعل البعض لا يدركه- بينها وبين القوانين الإلهية التي هي مِن عند العليم الحكيم الخبير؛ الذي هو أعلم بنفسه وبغيره -سبحانه وتعالى-: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) .

فإذا انتقلنا مِن هذا المثال إلى الشرع، سيكون عندنا ثلاثة أقسام:

الأول: الأحكام الشرعية التي لم يعلِّقها الله على شيءٍ من المتغيرات؛ سواء كانت عرفًا أو عادة، أو غيرها، وهذه ثابتة لا تقبل التغيير، ويدخل فيها: العقائد، والعبادات، ومعظم أبوب المعاملات.

الصفحة التالية