شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفتاوى المبنية على متغيرات تتغير بتغيرها (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الثانية: ما عَلَّق الله فيه الحكم على شيءٍ من المتغيرات، وطبَّقها الفقهاء على عُرف أو عادة أو مظنة المصلحة في زمانهم، ودوِّنت في كتب الفقه، وجَرَت مجرى الأحكام، فإنه إذا حدث في زمان لاحق تغير شيء مِن هذه المستندات التي استند إليها هذا الحكم؛ فلا بد وأن يعيد الفقهاء النظر، ويطبِّقوا حكم الله في المسألة وَفْق هذه الأمور التي استجدت.

الثالثة: وتكون عند إصدار فتوى لشخصٍ بعينه، فيحتاج الأمر إلى النظر إلى عوارض الأهلية، وهل هو متلبس بحالٍ يجيز له الأخذ بالرخصة، إلخ.

إذًا خلاصة القول: إن لدينا ثلاثة أقسام:

الحالة الأولى: ثابتة تمامًا.

الحالة الثانية: يمكن توصيفها بتغير الفتوى لتغير مناطها العام.

الحالة الثالثة: يمكن وصفها بتغير الفتوى لتغير مناطها الخاص.

توضيح الفَرْق بين المناط العام والمناط الخاص:

لتوضيح الفرق بين حالتي التغير، نضرب مثلًا بموضوع عدم إقامة عمر -رضي الله عنه- لحدِّ السرقة عام الرمادة.

أولًا: هناك مناط خاص يطالب كلُّ قاضٍ أن يطبِّقه قبل القضاء بإقامة حد السرقة أو غيره، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-ـ: "‌ادْرَؤوا ‌الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (رواه الترمذي، وهو إن كان روي من طرق فيها ضعف، لكن مجموعها يشد بعضها بعضًا) .

وهذا مِن المناط الخاص؛ لأنه يبحث في كلِّ قضية معينة على حِدَة، ولكن لما كانت المجاعة، وكانت هناك شبهة قائمة في كلِّ سارق أن يكون قد سرق جوعًا (وهذا لا يعفيه من الإثم، ولكنه يوجب الانتقال بعقوبته من الحدِّ إلى التعزير)، جعلها عمر -رضي الله عنه- مِن باب المناط العام، وبالتالي: طبَّقه في كلِّ حالات السرقة إلى أن انتهت المجاعة.

فعادت المسألة مرة أخرى إلى أنها مِن المناط الخاص الذي يجب على القاضي أن يبحثه في كلِّ قضيةٍ على حِدَة ليرى: هل هو متحقق هنا أم لا.

وسوف نتناول حالتي تغيُّر الفتوى، وأسباب كل منها ملخَّصة في هذا المقال، على أن نفصِّل كلًّا منها في مقالٍ مستقلٍ لاحقًا -إن شاء الله-، وهذا التلخيص معظمه مأخوذ من بحث: "حقيقة تغير الفتوى وأسبابه" للشيخ عبد الله بن محمد بن سعد آل خنين.

1- الفرق بين الحكم والفتوى:

الفتوى والحكم القضائي متشابهان في هذا الباب مِن حيث كونهما تطبيقين لحكمٍ ملزمٍ للمفتي -أو القاضي-؛ بيد أن ثمة تفاصيل في الحكم تختلف باختلاف الأحوال، وهو مطالَب باستكشافها، ومِن تقرير الحكم المناسب لها (راجع المثال الذي ضربناه آنفًا).

وقال ابن عاشور -رحمه الله-: "والفتوى والقضاء كلاهما تطبيق للتشريع، ويكونان في الغالب لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي، بحيث تكون المسألة أو القضيَّة جزءًا من القاعدة الأصليَّة" (مقاصد الشريعة الإسلاميَّة) .

2- بيان ما يقبل تغيرًا وما لا يقبل، والحالات التي يقبل فيها التغيُّر:

قال ابن القيم -رحمه الله-: "الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حال واحدة هو عليها؛ لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة: كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدَّرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك؛ فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالِف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا: كمقادير التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشارع ينوِّع فيها بحسب المصلحة" (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) .

3- البابان الرئيسيان لتغير الفتوى:

تعود أسباب تغير الفتوى إلى مجموعتين، هما:

1- أسباب تغير الفتوى العائدة لتغير تحقيق مناطها العام: ‏وهذه الأسباب هنا منزَّلة على أن ثَمَّ أحكامًا في الشريعة الإسلامية قائمة على مدارك قابلة لتغير مناطها من أعراف، ‏ونحوها، وقد تغيَّرت حال الواقعة، فوجب إعادة النظر في تحقيق ‏مناطها: هل تبقى على ذلك الأصل الذي بُنيت عليه أو تلحق بأصل آخر هو أولى بها بعد تغيرها، وسوف نبسط ذلك وأسبابه في المبحث الثاني.

2- أسباب تغير الفتوى لمراعاة تحقيق مناطها الخاص: ‏والأسباب هنا منزلة على خصوصية الواقعة محل الفتوى؛ لما ألمَّ بها من أحوال ومقتضيات تقتضي نقلها من حكم التهيئة الظاهرة المطبقة على نظائرها، إلى حكم آخر هو أليق بها؛ مراعاة لحالها، وسوف نبسط ذلك وأسبابه في المبحث الثالث.

4- أسباب تغير الفتوى العائدة لتغير تحقيق مناطها العام: الأحكام الفقهية المستنبطة من الأدلة، منها ما هو مبني على أدلة وإجماعات، ومصالح مستقرة لا تتغير، ومنها ما هو مبني على أدلة يتغير مناطها باختلاف أحوالها، وبالجملة فالتراث الفقهي مصدر إثراء للشريعة وأحكامها لا غنى عنه لدارس علوم الشريعة، بل للمسلمين جميعًا في استمداد أحكامهم في كافَّة أحوالهم، ويجب العناية به وعدم الوقوف عنده، بل نزيد عليه ما يطرأ من معالجة الحوادث والنوازل، وكذا تأصيل ما قامت موجبات النظر في تأصيله من التراث الفقهي مما بني على مدرك متغير، وتقرير حكمه على ضوء الشريعة وفقهها؛ ليبقى الفقه غضًّا طريًّا على مرِّ العصور، وكرِّ الدهور.

ويمكن إجمال هذه الأسباب في الأسباب الآتية:

1- مراعاة الأعراف المتغيرة.

2- مراعاة المصالح المرسلة المتغيرة (وفي ذات معناها سد الذرائع).

3- مراعاة التجارب والخبرات الفنية المتجددة.

مثال:

بَنَى الفقهاء في بداية ظهور التبغ القول بعدم حرمة التدخين على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأنه ليس فيه إلا كراهة رائحته، ومِن ثَمَّ فغايته الكراهية كما في حكم البصل، ثم جد في علم الأطباء ما في التدخين من ضرر فوجب على العلماء أن يفتوا فتوى عامة لكلِّ الأمة بحرمة التدخين؛ لأنه خرج مِن تحت قاعدة: "أن الأصل في الأشياء الإباحة" إلى القاعدة المذكورة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا ‌ضَرَرَ ‌وَلَا ‌ضِرَارَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

ومِن ثَمَّ فما يردده "بعض متعصبة المذاهب" من الانتصار لقول بعض العلماء بأن التبغ مكروه فقط، شيء لا يمت إلى الفقه بأدنى صلة!

الصفحة السابقة الصفحة التالية