وقفات مع آيات (10) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال -تعالى-: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (المجادلة:1) .
موضوع الآية:
نزول حكم ظهار الرجل من امرأته (1) .
قصة نزول الآية:
عن عائشة ـرضي الله عنهاـ قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ، وَهيَ تشتَكي زَوجَها إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَهيَ تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي، ظاهرَ منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ. فما برِحَتْ حتَّى نزلَ جِبرائيلُ بِهَؤلاءِ الآياتِ: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا )، قَالَتْ: وزوجها أَوْس بن الصَّامِتِ" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) . وفي رواية قالت خولة: " فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ... " (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني) .
وقفات حول الآية:
(1) حرمة الظهار (2) وإثم فاعله:
كان الرجل في الجاهلية يصف زوجته بأنها أمه ليحرمها على نفسه، وكان ذلك في حكم الطلاق: ( وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ).
فجاء الإسلام فبيَّن أن هذا الوصف من الكذب والزور، ولا تحرَّم المرأة بالكذب والزور، قال -تعالى-: ( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) (المجادلة:2) (3) .
ولذلك شرعت الكفارة من هذا الذنب بعد التوبة، وهو الذي جاء في سياق الآيات: ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (المجادلة:3-4) ، وعن خويلة قالت: ... فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً )، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَالَ: ( فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ )، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: ( فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ... ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وحسنه الألباني) .
ولا يجوز مس المرأة قبل التكفير: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ) (المجادلة:3) .
قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة". وقال ابن عباس -رضي الله عنهما: "المس النكاح"، وكذا قال غير واحد من السلف. (تفسير ابن كثير) .
(3) فضل التعبد لله بالأسماء والصفات:
عظيم تعبد أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بذلك: قالت وهي تروي القصة: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَشْكُو زَوْجَهَا، فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وفي الرواية الأخرى قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ".
وقفة مع اسم الله السميع:
سمع الله -تعالى- نوعان:
النوع الأول: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ ما يقصد به التهديد: قال -تعالى-: ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) (الزخرف:80) .
2 ـ ما يقصد به التأييد: قال -تعالى-: ( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) (طه:46) .
3 ـ ما يقصد به بيان الإحاطة: قال -تعالى-: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ).
النوع الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله -تعالى-: ( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) أي: مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي: "سمع الله لمَن حمده" أي: أجاب الله حمْد مَن حمِدَه، ودعاءَ مَن دعاه، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ )؛ أي: يُجِبْكُمْ، فالسَّماع هنا بِمعنى: الإجابة والقبول، وعند التِّرمذي في سُننه: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك مِن دُعاءٍ لا يُسْمَع".
مِن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: