اليقين (3)
عبد الرحمن شريف الهواري • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنستكمل في هذا المقال تساؤلاتنا حول يقين كل منا في بعض الأمور التي مِن المفترض أن يكون وصل فيها يقينه إلى حق اليقين، مع ما ذكر ما أمكن الثمرة الحقيقية لكل سؤال مِن هذه الأسئلة.
سؤال 5: هل أنت على يقين باليوم الآخر، وهل لك رصيد في أرض الواقع من الموت إلى نهاية المطاف من جنة أو نار؟
1- الموت: أول محطات اليوم الآخر، الجميع يزعم اليقين في الموت وأنه يأتي بغتة، ولكن مع الأسف الواقع يكذِّب هذا الزعم، وصدق واللهِ الحسن البصري حينما قال: "ما رأيت يقينًا أشبه بشكٍّ مِن يقين الناس بالموت زعموا! وما استعدوا له بالعمل الصالح"، فهل أنت على يقين أن الموت يأتي بغتة؟ فهلًّا استعددت له وإلا فيقينك فيه دخن!
2- القبر وما يكون فيه، وأثر ذلك على الفرد:
اليقين له أبلغ الأثر في الاستعداد، قال البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في جِنازةٍ، فجلسَ على شَفيرِ القبرِ، فبَكَى، حتَّى بلَّ الثَّرى، ثمَّ قالَ: ( يا إِخواني لمثلِ هذا فأعِدُّوا ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
وقال عثمان -رضي الله عنه-: "القبر أول منزل من منازل الآخرة، فمَن نَجىَ منه فما بعده أيسر منه".
يقينك في أول اختبار حقيقي فيه: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن الرجل الذي بعث فيكم؟
3- البعث والحشر وطول اليوم: والبشر يحملون أوزارهم على ظهورهم وتوزع الكتب، وحين توضع الموازين، وحينما يوضع الصراط والمرور على قَدْر الأعمال، فيكون فريق في الجنة، وفريق في السعير.
الشاهد: هل يقينك قوي في هذه المحطات أم مجرد ادعاء؟
كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يصف لهم اليوم كأنهم يرونه رأي العين؟
أثر وفضل مَن كان يقينه في اليوم الآخر صحيحًا:
أثنى الله -تبارك وتعالى- على أهل التقوى ومدحهم؛ لكونهم أيقنوا بالآخرة: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (البقرة:4-5) .
ولذلك عملوا، تأمل قوله -تعالى-: ( إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ )؛ هذا الذي أعطي الكتاب باليمين أيقن في الحساب فعمل فنجا. وظننتُ هنا: يعني أيقنت فعملت لهذا اليوم، فكانت النجاة.
وما دخل أهلُ النارِ النارَ؛ إلا لعدم يقينهم فيها، قال -تعالى-: ( وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) (الجاثية:32) ، أي: هم على شكٍّ في ذلك.
والصحابة -رضي الله عنهم- وصلوا إلى قمة اليقين في هذا اليوم؛ ولذلك بذلوا ما في وسعهم. قيل: ما تفوق الصحابة على مَن بعدهم إلا باليقين في قلوبهم، قال أبو بكر بن عياش -رحمه الله-: "ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيءٍ وقر في قلبه"؛ يعني: اليقين.
وقال بعض السلف: "أدركتُ أكثر من ثلاثين صحابيًّا لو قيل لأحدهم: إن القيامة غدًا ما وجد ما يزيد؛ لكونه استفرغ الوسع والجهد في التحصيل لقوة اليقين عندهم".
وهذا صحابي -قيل: إنه علي رضي الله عنه- يقول: رأيت الجنة والنار حقيقة، فلما سُئِل عن ذلك؟ قال: رأيتهما بعيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهما أصدق عندي من عيني هاتين؛ لأن عيني رسول الله لا تزوغان أو كما قال -رضي الله عنه-.
وقال علي -رضي الله عنه-: "لَوْ كُشِفَ لِيَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا".
وهذا صحابي آخر وصل للقمة في اليقين، حارثة بن مالك، وكيف كان يعاين أهل الجنة وهم يتزاورون فيها واهل النار وهم يتصارخون فيها.
سؤال 6: هل أنت على يقين في كلِّ ما صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا ينطق عن الهوى؟
1- أولًا: أنه رسول الله للعالمين للإنس والجن ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، وخصوصًا ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) .
2- وأنه أرسل كمثالٍ عمليٍّ على كيفية تحقيق الغاية.
3- وليجمع أهل الإسلام والإيمان على مثالٍ واحدٍ، فهم يختلفون في الغايات واللهجات، والألوان والعادات، والأعراف والتقاليد، والطباع والخصال، وحتى لا يختلفوا جُعل لهم هذا المثال الواضح البيِّن.
4- وأُمروا جميعًا باتباعه ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، كما أمروا جميعًا بطاعته، وجعلها -سبحانه وتعالى- من طاعته: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (النساء:80) .
5- وحذَّر الجميع مِن مغبة مخالفته: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) ، وجعل أعظم دليل على محبته -سبحانه- في طاعة رسوله واتباعه، ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (آل عمران:31) ، ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) .
6- وبيَّن -سبحانه وتعالى- أن الحكمة مِن إرساله كذلك لهدايتهم إلى الطريق المستقيم ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الشورى:52) ، ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (النور:54) .