شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (110) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالسينما هي الفن السابع -كما يطلق عليها أصحابها-؛ لكونها فنًّا جاء بعد فنون ستة سبقته، هي: العمارة، والموسيقى، والرسم، والنحت، والشعر، والرقص.

ورغم حداثة السينما تاريخيًّا -إذ لا يتعدَّى عمرها القرن وربع القرن من الزمان-، ورغم أنها لعقودٍ لم تحظَ بالاعتراف كأحد الأشكال الفنية؛ إلا أنها اليوم تستحوذ على اهتمام الجميع، من عاملين فيها ومشاهدين لها، ونقاد ومثقفين يتابعونها، وصار هناك للسينما دور كبير في تشكيل فكر وآراء، وذوق ووجدان الشعوب غربًا وشرقًا.

والسينما تعد فنًّا سمعيًّا وبصريًّا في آنٍ واحدٍ يقوم على التمثيل، ولكنه ضمَّ إلى التمثيل العديدَ من الفنون الأخرى مِن: كتابة القصص والروايات، ومن الموسيقى والغناء والرقص التي ارتبطت بالسينما، وصارت جزءًا منها، كما ساعدت السينما من خلال ما تقدمه منها على انتشار ورواج هذه الفنون.

ونظرًا لأن الأفلام السينمائية تصل إلى كافة المستويات الاجتماعية والثقافية؛ فهي في نظر الكثيرين أداة مهمة مِن أدوات التغيير الاجتماعي، وتنمية الوعي الثقافي، كما أنها على العكس من ذلك قد تكون سلاحًا مدمِّرًا، وأداة طيعة ومضللـة، حين تستخدمها أيادٍ مشبوهة في تزييف وعي المشاهدين، فالسينما في نظر أصحابها والمهتمين بها سلاح ذو حدين تبعًا لنوايا وأهداف القائمين عليها، وطبقًا لما يحملونه من آراء وقِيَم ومبادئ، وما عندهم من أخلاق.

والسينما اليوم صناعة وتجارة، والأفلام السينمائية هي سلعتها، وهذه السلعة ينطبق عليها ما ينطبق على كل السلع، فيمكن أن تكون سلعة رديئة فيها غش تجاري، وذلك من خلال التنازل -وكما يحدث وبلا مواربةٍ- عن القيم والأخلاق والمبادئ من أجل ربحها الوفير من خلال مداعبة الغرائز والشهوات.

ولا يمكن الحكم الدقيق على السينما وأفلامها، ومعرفة مدى مشروعيتها وبيان ما فيها من مفاسد وسلبيات على الحقيقة؛ إلا مِن خلال التعرُّف عليها بشيء من التفصيل، ومعرفة مكوناتها التي تقوم عليها، لتكون الصورة واضحة كل الوضوح أمام مَن يريد أن يحكم عليها أو يقيمها، فيتكلم عنها عن فهمٍ وبصيرةٍ، لا بالعواطف والأهواء أو تأثرًا بنظرة المجتمع لها أو ارتباطه بها؛ لذا فلعله مِن المفيد هنا أن نتعرف بشيء من التفصيل على كيفية إنتاج الأفلام، ونستعرض بإيجاز التاريخ الذي مَرَّت به السينما منذ النشأة إلى اليوم، فالحكم على الشيء فرع على تصوره -كما هو معلوم-.

بدأ التاريخ الفعلي للسينما مع العرض السينمائي الأول في العالم الذي كان في 28 ديسمبر سنة 1895م، وأقامه لوميير في مقهى جراند كافيه بباريس، أما في مصر: فكان العرض الأول في مقهى بالإسكندرية في نوفمبر من سنة 1896م. وقد أطلق الناقد السينمائي الفرنسي الإيطالي (ريتشيو كانودو) في العشرينيات من القرن الماضي على السينما: "الفن السابع" (راجع في ذلك: "سحر السينما" تأليف علي أبو شادي، الناقد السينمائي والرئيس السابق للهيئة العامة لقصور الثقافة، والرئيس السابق للرقابة على المصنفات الفنية - ط. مكتبة الأسرة 2006 م المقدمة ص 9) .

يبدأ مشوار صناعة الفيلم مِن: اختيار منتج الفيلم للقصة أو للرواية التي ستتحول إلى فيلم، وهذه القصة أو الرواية تُكتَب أولًا على الورق من خلال السيناريو، والسيناريو مطبوعًا كان أو منشورًا يمثِّل التتابع الذي سيكون موجودًا على الشاشة، الذي يختلف كثيرًا أو قليلًا عن القصة أو الرواية التي كتبها المؤلف الأصلي بحسب رؤية المخرج للفيلم.

(ويختلف السيناريو -وهو النص السينمائي- عن النص المسرحي الذي يمكن أن يوجد أو يطبع أو ينشر بمعزلٍ عن تنفيذه على المسرح، أو دون ارتباط بعملية التنفيذ. وقد يتعاقب على إخراج النص المسرحي العديد من المخرجين؛ فيحققه كلٌّ منهم على المسرح من خلال رؤيته الخاصة. أما السيناريو فهو عكس ذلك تمامًا حيث لا يمكن إخراجه إلا مرة واحدة، والناتج هو فيلم محدد، حتى إذا تراءى لأحدٍ أن يحاول إخراج نفس النص فلن يكون هو ذلك الفيلم على الإطلاق، فالسيناريو يأخذ شكله النهائي من خلال الفيلم على الشاشة وليس العكس) (المصدر السابق، ص 21 بتصرفٍ) .

ومصادر السيناريو متعددة (ويذكر تاريخ السينما المصرية: أن معظم الأفلام الأولى كانت معدة عن المسرحيات التي كانت سائدة في تلك الفترة).

ومن مصادر السيناريو: الأعمال الأدبية، والقصة والرواية لأدباء محليين أو عالميين، ومنها: الوقائع والشخصيات التاريخية بعد إعادة صياغتها دراميًّا، ومنها: إعادة إنتاج بعض الأفلام القديمة أو الاقتباس المباشر من أفلام أخرى عربية أو أجنبية مع الإشارة أو عدم الإشارة -وهو الغالب- إلى مصدر الاقتباس، ويُسَمَّى كاتب السيناريو: (السيناريست).

ويكتب السيناريو مأخوذًا من القصة التي يتفق عليها المنتج والمخرج، وغالبًا ما تحمل القصة عناصر الجذب الجماهيري، ولها تأثير وفاعلية؛ لتعطي قدرًا من المتعة والإثارة، ويمكن بالطبع أن يكون من ورائها ترويج لفكر أو رأي أو عرض لقضية. ويكون تأثير الفيلم في النهاية بحسب ما يريد مؤلف القصة أو الرواية الترويج له من خلال فكره وانتمائه، ومن خلال رؤية المخرج واتجاهه، فدراسة قصة الفيلم الأصلية من الأمور المهمة للحكم على أي فيلم وتأثيره.

فـ(العمل الفني مجموعة من الرغبات التي يتم إثارتها ثم إشباعها وهكذا، ومن الخطأ بالطبع إثارة رغبة وتركها بغير إشباع؛ مما يجعل الدائرة النفسية غير مغلقة، وتعني الرغبة: كل ما يتوق له الإنسان؛ سواء في المال أو النفوذ أو القوة ... أو يكون محظيًا لدى الجنس الآخر ... وقد تكون الرغبة عكسية أو مدمرة، كأن يرغب في الانتحار أو يتحكم فيه هاجس السرقة، أو تحكمه التصرفات الوضعية: كالخيانة والرشوة، أو كراهية البشر، أو الرغبة في تحقيق الفشل.

الصفحة التالية