شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع آيات (11) (إِنَّمَا جَزَاءُ ‌الَّذِينَ ‌يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ ‌الَّذِينَ ‌يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (المائدة: 33-34) .

موضوع الآية:

- نزول أحكام الحرابة (البلطجة وقطع الطريق، وعصابات النهب وتجارة المخدرات، وخطف الأطفال والنساء، ونحوهم ممَّن يروعون الآمنين في بلاد المسلمين ويشهرون السلاح في وجوههم).

قصة نزول الآية:

- قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: ‌أَنَّ ‌نَفَرًا ‌مِنْ ‌عُكْلٍ ‌ثَمَانِيَةً، ‌قَدِمُوا ‌عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ، فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا )، فَقَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا. لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظٍ: وَأُلْقُوا فِي الحَرَّة فَجَعَلُوا يَسْتَسْقُون، فَلَا يُسْقَون ... وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ ‌سَرَقُوا ‌وَقَتَلُوا ‌وَكَفَرُوا ‌بَعْدَ ‌إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَفِي الرِّوَايَة الأُخْرَى قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ ‌يَكْدُمُ ‌الْأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا، وَنَزَلَتْ: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الْآيَةَ".

وقفات مع الآيات:

(1) الحرابة من الحدود في الشريعة (1) :

- والحدُّ في اللغة: الشيء الحاجز بين شيئين، وسميت عقوبات المعاصي حدودًا؛ لأنها -في الغالب- تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية، وهو: عقوبة مقررة في الشرع لصالح الجماعة، وحماية النظام العام: قال - تعالى-: ( ‌وَمَنْ ‌يَتَعَدَّ ‌حُدُودَ ‌اللَّهِ ‌فَقَدْ ‌ظَلَمَ ‌نَفْسَهُ ) (الطلاق: 1 ) .

- الحدود عدل وحماية للمجتمع؛ لأنها من عند الله العليم الخبير الحكيم: قال -تعالى-: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) ، وقال -عز وجل-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (يونس:44) .

أنواع الحدود المقررة في الشريعة الإسلامية:

1- حد الزنا: قال -جل وعلا-: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (النور:2) ؛ لأن في الزنا إفسادًا للأنساب، وتدنيسًا للأعراض، وإلحاقَ العار.

2- حد القذف: قال -تبارك وتعالى-: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:4) ؛ لأنه اعتداء على الأعراض، وإفساد للأخلاق، وانتشار للريبة في مجتمعات المسلمين.

3- حد السُّكْر: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ؛ لأنه إفساد للعقول وارتكاب للحماقة، وذريعة للجريمة.

4- حد السرقة: قال -تعالى-: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة:38) ؛ لأنه اعتداء على الأموال، وإحزان لأصحابها، وتعريضهم للحاجة.

5- حد الردة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) (رواه البخاري) ؛ لأنه انتكاس وإعلان ثورة على دين الله.

6- حد الحرابة: قال -عز وجل-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة:33) .

(2) الحرابة أشد جريمة في الحدود:

- الحرابة حرب على الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين: قال -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ).

وقال القرطبي -رحمه الله-: "( يُحَارِبُونَ اللَّهَ ): عَبَّرَ بِنَفْسِهِ الْعَزِيزَةِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ؛ إِكْبَارًا لإِذَايَتِهِمْ، كَمَا عَبَّرَ بِنَفْسِهِ عَنِ الْفُقَرَاءِ الضُّعَفَاءِ فِي قَوْلِهِ: ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) (البقرة:245) ، حثًّا على الإعطاف عليهم".

- المحارب ليس له شرف الانتساب إلى الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ؛ فَلَيْسَ مِنَّا ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية