تناقضات أصحاب المولد ... هل دافعوا عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ وهل دعوا للإيمان برسالته؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تعرَّضنا في مقالة: " مناظرة مصرية حول بدعية المولد قبل ظهور الوهابية "، لمناظرة بين الإمام الفاكهاني أحد القائلين ببدعية الاحتفال بالمولد النبوي، وبيَّن الإمام السيوطي أحد القائلين بالجواز.
وبيَّنَّا: أن الفريق الذي فسَّر البدعة المذكورة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه مسلم) ، بأنها البدعة الدينية بدلالة قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، ومِن ثَمَّ أعمل عموم ( كُلُّ ) كما هو ظاهر الحديث؛ هو الأقرب إلى تعظيم السُّنَّة، والنُّصْح للأمة.
ومِن ثَمَّ نقول: إن هذا الحديث وغيره، أفاد أن كلَّ بدعةٍ في الدِّين مذمومة؛ إلا أنه لا يلزم أن كلَّ مَن فسَّر البدعة بمعنى الأمر المحدث مطلقًا (في الدِّين أو الدنيا)، ومِن ثَمَّ قال: إنها تدور على الأحكام الخمسة، سوف يختلف مع الفريق الأول؛ لأنه متى أقر بأن الأصل في العبادات: "التوقيف"، والأصل في المعاملات: "الإباحة"، فسيترتب على هذا: أن تكون الأمور المحدثة في المعاملات محرَّمة أو مكروهة إذا دخلت في عموم نهي، أو اشتركت في العلة مع شيءٍ منهي عنه على وجه التحريم أو الكراهة، وفيما عدا ذلك ستعتبر مباحة، وربما انتقلت إلى أن تكون مطلوبة الفعل أو مطلوبة الترك؛ إذا تحققتْ فيها شروط العمل بالمصلحة المرسلة أو سدِّ الذرائع على التفصيل المبيَّن في كُتُب أهل العلم.
وستكون البدع في الدِّين عنده كلها محرمة، وتكون ذرائع البدعة في الدِّين مكروهة.
إذًا هذا التقسيم في حدِّ ذاته ليس هو بيت القصيد، بقَدْر ما أن الخلاف في لزوم اتباع السُّنَّة التركية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العبادات، وأنَّ فِعْل ما لم يفعله -صلى الله عليه وسلم- بدعة مذمومة في الدِّين.
وليس أدل على ذلك: مِن أثر عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- الذي رواه الدرامي، قال: "أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنبَأَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ، مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قُلْنَا: لَا، بَعْدُ، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ، قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ -وَالْحَمْدُ لِلَّهِ- إِلَّا خَيْرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حصًا، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتظارَ أَمْرِكَ، قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ!
ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حصًا نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ" (رواه الدارمي، وصححه الألباني) .
فالذكر مشروع، واجتماع الناس له مشروع، ورفع صوت كل واحد منهم بالذكر مشروع، وإنما زاد هؤلاء صفةً؛ أن جعلوا لهم إمامًا، ومع هذا أغلظ لهم ابن مسعود -رضي الله عنه- القول، بل بيَّن لهم النكتة في المسألة، وهي: أنهم بهذا يفتتحون باب ضلالة، فلو تُرِك -أو فتح- الباب؛ لأحدث كلُّ مَن شاء ما شاء، زاعمًا أن في فعله هذا زيادة خير!
ولو طبَّقنا هذا على "بدعة المولد النبوي" ذاتها، ولو رجعنا إلى كلام "الإمام الفاكهاني" فيها، وأنها على درجتين:
الأولى: أن يفعلها الرجل في خاصة نفسه، وعَدَّها مِن المكروهات.
والثانية: ما اعتاده الناس فيها مِن المنكرات، وقد عدَّها وبيَّنها، ورغم تَعَقُّب "الإمام السيوطي" له؛ إلا أنه أقرَّه على أن الصورة التي تحدث فيها هذه المنكرات صورة منكرة.