شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تناقضات أصحاب المولد ... هل دافعوا عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ وهل دعوا للإيمان برسالته؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وهكذا نرى في عامة البدع أنها تكاد تقع بصورةٍ يتَّفق الجميع على نكارتها، ثم يدافع بعض العلماء عن صورة نظرية لا تكاد توجد إلا في أذهانهم هم! فمعظم مَن تجادله -مثلًا- مِن رؤوس التصوف في بدعة بناء المساجد على القبور، يقول: "إنه لا يرى الطواف حولها، ولا التمسُّح بها، ولا النذر لها"، مع أن الواقع يقول: إنها لا تكاد تقصد إلا لهذا! وإن الغالبية الساحقة ممَّن يزور تلك المساجد إنما يزورها مِن أجل تلك المنكرات التي يتبرؤون منها.

وهذه طبيعة البدع؛ ولذلك حسم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرها، وطبَّق الصحابة هذا الأمر بشدةٍ وحزمٍ، وبالتالي: لم تُعرَف تلك البدع إلا بعد انقضاء عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، بل وعصر التابعين وتابعيهم.

تنبيه:

بعض مَن يدرسون الفقه المذهبي يكاد يبلغ بهم التطرُّف في فهم مسألة مذاهب الأئمة إلى اعتبار كلِّ مذهب وكأنه دينٌ مستقلٌ، وبالتالي يقول: عليك أن تختار إذا أردتَ أن تناقِش قضية البدع: هل ستناقشها بأصول المالكية أم بأصول الشافعية؟!

ويرتِّب على هذا: أنه لا مجالَ للنقاش بين الفريقين بناءً على وجود الدليل مِن عدمه! (وفي المقالة السابقة: وجدنا كيف ردَّ السيوطي الشافعي على الفاكهاني المالكي، واعترض عليه في أمورٍ، ووافقه في أمور، وهذه طريقة العلماء في باب البدع، وفي غيره، وبلا شك في ثنايا المناظرة؛ لو كانت المسألة فرعًا على مسألة أصولية، فسوف يقرُّ كلُّ طرفٍ القاعدة التي يراها صوابًا، ثم يطبِّقها في المسألة محل النزاع؛ هذا على أن السيوطي نظرًا لانتمائه المذهبي لا يُعَدُّ مِن المتجردين في المسألة، ومع هذا ناقش نقاشًا علميًّا، بل وأقر الفاكهاني على كثيرٍ مِن الجزئيات -كما ذكرنا-).

تناقضات أصحاب المولد:

بعد هذا التذكير بشيءٍ مما سبق بيانه في المقالة السابقة، دعونا نقف عند مظاهر تناقض واضحة عند كثيرٍ مِن دُعَاة الاحتفال بالمولد؛ بدعوى كونه مِن البدعة الحسنة.

موقع البدعة الحسنة على فرض وجودها كحكم تكليفي:

كما هو واضح: أن مصطلح "البدعة الحسنة" ليس قسمًا مِن أقسام الحكم التكليفي، وإنما سنعرف مِن سياق كلام مَن يقول بها في العبادات: أنهم غالبًا ما يلحقونه بالمستحب، وحيث إن العلماء غالبًا ما يقسِّمون المستحب إلى رُتَبٍ تختلف أسماؤها مِن مذهب إلى آخر؛ إلا أن المذاهب تكاد تتفق على أن المستحبات تتأكد كلما قوي دليلها، وكثرت مواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليها.

وحيث إن البدعة الحسنة شيء لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فضلًا على أن يواظِب عليه، ودليله -كما رأيتَ- هو في غاية الضعف -إن عددناه دليلًا-، فالطبيعي أن تكون رُتْبَة هذه الأمور عند أصحابها تالية لرتبة المستحبات التي فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أمر بها؛ ولذلك كانت البدع مرتبطة باهل التنطع والغلو الذين يريدون أن يزيدوا على المشروع، كما في قصة الثلاثة الذين سألوا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فكأنهم تقالوها، فقالوا: وأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؟! قدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- إليهِم، فَقالَ: ( أنْتُمُ الَّذِينَ قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟! أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي ) (متفق عليه) .

ولكن المُشَاهَد: أن كثيرًا ممَّن يتحمَّس غاية التحمس لهذه البدعة متكاسل عن الدعوة، بل عن العمل بكثيرٍ مِن السُّنن، بل مثبِّط عنها، بل متكاسل عن الدفاع عن مجمل سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل عن شريعته بصفةٍ عامةٍ!

جَلَدٌ في الدِّفَاع عن البدعة، وتكاسل في الدِّفَاع عن السُّنَّة!:

تُقَام مهرجانات للعري، فينكر العامة، ويسكت كثيرٌ مِن العلماء الدَّاعين إلى الاحتفال بالمولد، فيرد بعضُهم على العوام: إن إنكارهم للمنكر تخلُّف ورجعية، ودُعَاة المولد في مولدهم!

- يرفع بعض الجهلاء قضايا تطالِب بمنع تدريس البخاري، أو تنقيته -بزعمهم!- مِن الأحاديث المكذوبة، وكثيرٌ مِن دُعَاة المولد في مولدهم!

- كثير مِن دُعَاة المولد إذا سُئِل عن إطلاق اللحية، قال: "مستحب"، فإذا اعتبرنا أنه قال بالاستحباب فقط دون الوجوب تقليدًا لما يفتي به بعض الشافعية -رغم أن المذاهب الثلاثة يفتون بالوجوب، وكذلك كثيرٌ مِن الشافعية- فلا بأس تنزُّلًا؛ أما وهو يجتهد في الدعوة إلى ما أحدثه الناس بدعوى أنه بدعة حسنة، فما موقفه مما أمرَ به النبي -صلى الله عليه وسلم- وحَضَّ عليه، وإن قَلَّد مَن يقول باستحبابه فقط؟!

- أحد كبار دُعَاة المولد سُئِل عن ختان الإناث، فقال: "إن وجوده في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعني أنه أقرَّه! (في سابقة لا نظن أنه قال أحدٌ مِن أهل العلم بمثلها قط!)"، وهو مع هذا يجوِّز ما لا لم يقره النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا كان في زمنه، ولا زمن أصحابه -رضي الله عنهم-.

- كثيرٌ مِن دُعَاة المولد إذا سُئِل عن النقاب يقول: "هو عادة، وليس بعبادة!"، مع إجماع الأمة على أنه كان زي أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، وأنه ظل زي الأمة ككلٍ حتى جاء الاحتلال، والناس يتداولون صورًا فوتوغرافية لنساء القاهرة في أوائل القرن العشرين، وهن منتقبات.

مع أن علماء الأمة اختلفوا في ستر المرأة لوجهها وكفيها، فمِن قائل بالوجوب، وقائل بالاستحباب، ولكن لو تنزَّلنا معهم مِن أنه عادة، فلا مناصَ مِن القول بأن أمهات المؤمنين استحسنَّها، وبل ونساء الأمة كلها عَبْر قرونٍ طويلةٍ؛ فكيف يمكن لأحدٍ أن يستحسن ما أحدثه هو، بينما لا يرى ما استحسنَّه أمهات المؤمنين (لو تنزَّلنا، وقلنا: لم يكن إلا عادة) صالحًا لجعله مطلوبًا ومشروعًا!

أهل المولد ولزوم الإيمان به -صلى الله عليه وسلم-:

الصفحة السابقة الصفحة التالية