شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تناقضات أصحاب المولد ... هل دافعوا عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ وهل دعوا للإيمان برسالته؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

اتَّفق أهلُ السُّنة على أن مفتاح الدخول في الإسلام، هو: "شهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وأنه ما لم يأتِ العبدُ بها؛ فليس بمسلمٍ، وهذا أيضًا قول الأشاعرة، وبل وقول المعتزلة كذلك.

فإجماع الأمة على أنَّ مَن كذَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر؛ سواء أكان قبل بلوغه خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- موحِّدًا كأمية بن أبي الصلت، أو كان مَن بدَّل وحرَّف مِن أهل الكتاب: كغالب مَن كانوا قَبْل بعثته -صلى الله عليه وسلم- مِن اليهود والنصارى، وقد قال -تعالى-: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (البقرة:89) .

ولذلك ناظر النبي -صلى الله عليه وسلم- اليهود، وناظر نصارى نجران، وأمره ربه أن يدعوهم إلى المباهلة؛ فأبوا، وبالطبع هؤلاء كفار بشهادة: "أن لا إله إلا الله"، ولكن البعض -تلبيسًا- ادَّعى: أن إيمانهم بوجود الله كافٍ في أن يُوصَفوا بأنهم أتوا بها! ومع هذا فمَن أَتَى بها ولم يأتِ معها بشهادة: "محمد رسول الله"؛ فهو كافر بإجماع الأمة -كما بيَّنَّا-؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ‌لَا ‌يَسْمَعُ ‌بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) .

والعجيب: أن القومَ ينقمون على مَن لم يشاركهم الاحتفال في يوم 12 ربيع الأول مِن كلِّ عام، وإن كان يُعَظِّم يوم الاثنين مِن كلِّ أسبوع، وهو يعني أنه يفوقهم 50 ضعفًا، ولكنهم مع ذلك يتهمونه بأنه لا يحب النبي -صلى الله عليه وسلم-! ثم إنك تجد كثيرًا منهم يريد أن يمنح الإيمان لمَن كَفَر بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وكذَّب به!

ولا نتكلم هنا عن العدل والإنصاف، والوفاء بالذمة؛ فكلُّ هذا مِن دِين الله -تعالى-، ومِن سُنَّةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وإنما نتحدث عمَّن يُخَالِف المعلوم مِن الدِّين بالضرورة مِن أن الإسلام: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".

وقد يزعم الزاعمُ: أنه يمكن أن يوجدَ مِن غير المسلمين مَن لا يكذِّب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذه سفسطة عقيمة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إنه رسول من عند الله، وإن الله أنزل عليه قرآنًا، وإن القرآن فيه: ( ‌ تَبَارَكَ ‌الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) (الفرقان:1) .

والمسلمون يوقنون بذلك -بفضل الله تعالى-، وبالتالي: فكلُّ مَن لم يدخل في الإسلام ممَّن بلغته دعوة الإسلام؛ فهو كافر (ودعوة الإسلام بلغتْ كلَّ الدنيا، ولا مجال هنا للكلام عن احتمال وجود قبيلة منعزلة في غاباتٍ استوائيةٍ، أو جزرٍ في المحيط؛ فهؤلاء حكمهم حكم أهل الفترة).

وأما كلُّ مَن سَمِع بخبر النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلا يخرج عن حالاتٍ:

الأولى: "الإعراض":

الإعراض عمَّن يحذِّر المرء مِن شأن عظيم، وخطر كبير هو نوع من التكذيب، أو احتقار الشأن، بل لعله أفدح، وعلى كلٍّ فالمعرض قد أغلق على نفسه الباب إلى أن يكون مصدِّقًا؛ فكيف يوصف بالتصديق، بل بالإيمان، وقد قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ) (الأحقاف:3) .

الثانية: التكذيب:

يعني يسمع الدعوة ثم يكذبها، وقد قال الله في شأن مَن كذَّب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ ‌فَقَدْ ‌كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) (فاطر:4) .

الثالثة: الجحود:

فإن استمع للحجة وصدَّقها بقلبه، فقد يقر ويتابع، وقد يمنعه الحسد فيكذب بلسانه رغم ما في قلبه من تصديق، وقد قال -تعالى- عن فرعون وقومه: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) .

الرابعة:

فإن استمع وصدَّق بقلبه وأقر بلسانه بصدق الدعوى، فقد ينضوي تحت لوائها -وهذا هو المسلم-، وقد يأبى لحسدٍ أو لكِبْرٍ، أو لغير ذلك من الأسباب، قال -تعالى-: ( إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (البقرة:34) .

وهذا يشمل كلُّ مَن اعتذر بأي عذرٍ، كأن يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- رسولٌ للعرب فقط، فكل مَن لم يؤمن أنه -صلى الله عليه وسلم- مبعوث للعالمين؛ فهو مكذِّب له؛ ولذلك كانت هذه النقطة في حدِّ ذاتها فادحة، ومخالفة للمعلوم مِن الدِّين بالضرورة، ثم صدورها ممَّن يُظنُّ به المُبَالَغَة في إظهار محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- يُعَد مِن أعجب التناقضات!

كل هذه التناقضات تذكرنا بقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة".

وقول الحسن -رحمه الله-: "عمل قليل في سنة، خير من عمل كثير في بدعة".

نسأل الله أن يوفِّق جميعَ المسلمين إلى العمل بكتابه وبسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة السابقة