شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (111) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا شك فيه عند أي مسلم: أن الشريعة الإسلامية شاملة لكلِّ خير ومصلحة، وأن في العمل بها تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، فمتى سار الناس على شريعة الله والتزموا بها دون أن يعدلوا عن شيء منها كان الصلاح والفلاح، ومتي أعرضوا أو حادوا عنها كان الخسران والشقاء؛ لذا مِن الواجب على الناس التمسك بأحكام الشريعة في كل شئونهم وأمورهم في العقائد والعبادات والمعاملات والاقتصاد والأخلاق، وكذلك في مجال الثقافة والفكر والترويح والترفيه.

وللأسف الشديد: فإن الناظر إلى أحوالنا وواقعنا اليوم يرى العجب العجاب في البُعد عن الأخذ بأحكام الشريعة، والتهافت على تقليد الغرب في كل شئونهم المختلفة وإن كانت مخالفة للشرع، في ظلِّ فَصْلٍ لدين الله -تعالى- وشرعه عن واقع الناس وشئون الحياة!

ومن جملة ما فيه انحراف عن هدي الشريعة وتوجيهاتها: أبواب الفنون عامة "وفن السينما خاصة" باسم تقديس الفن، وحرية الفنان! حتى رأينا ممارسات غاية في القبح، والمخالفة للشرع والفطرة والعقل في المجتمعات غربًا وشرقًا باسم الفن؛ فكان هذا الحصاد المُر من أسباب فساد المجتمعات.

ويزيد الأمر أسفًا: أن نرى مَن يدَّعي العلم يتغاضى أو يهادن كل هذا الإسفاف الذي يتأفف منه الكثيرون مِن أصحاب هذا الفن أنفسهم! وأسوأ منهم: مَن يرى إباحة هذه الفنون مطلقًا على ما فيها مِن أعظم المحرمات والمنكرات. نسأل الله -تعالى- العافية والسلامة.

ومِن الجدير بالذكر: أن أصل ممارسة أغلب الفنون الإباحة بشرط التزام ضوابط وأحكام الشرع، وقد مارس المسلمون خلال قيادتهم للحضارة البشرية -ولقرونٍ- العديد من صور الفنون؛ فأجادوا وأفادوا. وفي هذا الرد على مَن ينكر الفنون كلها جملة وتفصيلًا؛ نعم من الفنون ما يرفضه ميزان الشرع رفضًا تامًّا، لكن منها ما هو مباح بضوابط وآداب لا يجوز مخالفتها والخروج عنها.

لقد أصبح من الضروري النظر في كلِّ ما يتعلق بفن السينما من أحكام في الشريعة الإسلامية؛ إذ قد عَمَّ بها البلوى في ظل ما حَظِيَ به هذا الفن مِن تطور وتقدُّم مذهل، وفي ظلِّ ما يميل إليه الكثير من الناس من اللهو والترفيه والترويح، وفي ظل سيطرة الكثير من دعاة الخلاعة والمجون -بل والإباحية- على مقاليد السينما غربًا وشرقًا؛ خاصة في مواجهة التأثير الخطير جدًّا لفن السينما على المجتمعات خاصة الإسلامية.

والحكم على الأفلام السينمائية يتطلب الحكم على ما فيها من أمور هي جزء لا يتجزأ منها، ويرتبط حكمها بحكمه، ومن هذه الأمور: القضية أو الفكرة التي تقوم عليها القصة أو الرواية التي عليها بني الفيلم السينمائي، ثم التمثيل الذي يجسِّد به الممثلون شخصيات القصة وأحداثها، ثم التصوير الفوتوغرافي بكاميرات التصوير لهذا التمثيل؛ تمهيدًا لعرضه من خلال آلات العرض على المشاهدين، ثم ما يصحب هذا التمثيل من موسيقى أو غناء أو رقص.

ونبيِّن هنا -وبإيجاز- حكم بعض هذه الأمور من خلال بيان ما يجوز منها اتفاقًا وما هو مختلف فيه، وضوابط ما يجوز منها عند المجيزين حتى يكون موافقًا للشرع لا مخالفًا له.

حكم التمثيل في الشرع:

يتضمن التمثيل تجسيد الممثلين لشخصيات القصة أو الرواية.

والتمثيل قد يعرض على المشاهدين مباشرة ولا يصحبه تصوير، وبالتالي يكرر الممثلون نفس التمثيل كل يوم على مشاهدين جدد كما هو الحال في العروض المسرحية.

وقد يصوَّر التمثيل بآلات التصوير، ويكرر عرضه على المشاهدين من خلال آلات عرض، فلا يحتاج الأمر إلى يكرر الممثلون تمثيلهم كما هو في عروض الأفلام السينمائية.

و(تطلق كلمة التمثيل في عُرف أهل العصر واصطلاحاتهم على نوعين:

النوع الأول: التمثيل المقترن بالمحرمات، المتحلل من قيود الشرع وآدابه، وهذا محل اتفاق أهل العلم على تحريمه؛ لكونه مخالفًا لمقاصد الشريعة ونصوصها، بل وشرائع الأنبياء والعقلاء وأصحاب الفطر السليمة).

( النوع الثاني: مطلق التمثيل، أي: التمثيل من غير نظر إلى ما يقترن به من محرمات، وهذا محل النزاع بين أهل العلم في حله وحرمته).

وقد (اختلف أهل العلم في حكم التمثيل إذا خلا من محرم على قولين:

الأول: إباحة التمثيل بشرط خلوه من المحرمات، وذهب إلى هذا القول جمهور كبير من العلماء والدعاة في هذا العصر. منهم: محمد رشيد رضا (انظر فتاوى رشيد رضا (3/ 1091)، وعبد الله بن حميد، وعبد الله بن جيرين، ومحمد صالح العثيمين (انظر: "حكم التمثيل في الدعوة إلى الله"، ص77، 85، 89)، وغيرهم.

الثاني: حرمة التمثيل مطلقًا، وبه قال بعض أهل العلم، منهم: عبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، وأحمد بن صديق الغماري، صاحب كتاب: (إقامة الدليل على حرمة التمثيل)، وعبد الله الصديق، وبكر بن عبد الله أبو زيد، وغيرهم) (راجع في ذلك: "حكم ممارسة الفن في الشريعة الإسلامية: دراسة فقهية موازنة" رسالة ماجيستير جامعية، تأليف: صالح بن أحمد الغزالي - ط. دار الوطن - الرياض ط. أولى 1417هـ: 291 - 293 بتصرفٍ) .

قال مؤلف: (حكم ممارسة الفن في الشريعة الإسلامية) ما مختصره: (يتبيَّن من خلال النظر في حقيقة التمثيل وعرضه على نصوص الشرع وقواعد الدين، وبالنظر في كلام أهل العلم ومناقشاتهم: تمييز التمثيل إلى أنواع ثلاثة متباينة في حقيقتها، وهي:

النوع الأول: التمثيل المعمول به عند أهل الفن، وهو: التمثيل المتحلل من قيود الشرع والمقترن بأنواع المحرمات، وهذا لا نزاع بين أهل العلم في تحريمه؛ لما يعرض فيه من تمثيل الأخلاق السافلة والمرائي الفاتنة، والصور الخليعة، وشبه العاريات)، (وبيان طرق المكر والاحتيال، والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس.

النوع الثاني: التمثيل كمصطلح فني متعارف عليه عند أهل الفن دون النظر إلى تطبيقه. وهذا أيضا يترجح القول بمنعه وتحريمه)، لما يتضمنه من مخالفة نصوص الشرع. (ومن أعظمها: تمثيل المرأة وما يفضي إليه ويترتب عليه من محرماتٍ كثيرةٍ؛ ولهذا لم يُعرف هذا التمثيل ويعمل به في المجتمعات المسلمة المحافظة على الالتزام بشرع الله).

الصفحة التالية