الفساد (111) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(فإن قيل: يمكن أن يكون هنالك تمثيل دون وجود المرأة)، (قلنا: نعم، ولكن ذلك لا يدخل في المقصود من مصطلح فن التمثيل عند أهله، وإن كان يعد تمثيلًا من جهة اللغة، وبعض الأعراف؛ فيجب بيان ذلك والتفريق بينهما؛ لئلا يقع اللبس).
(النوع الثالث: التمثيل بمعناه اللغوي، أي: حكم مطلق المحاكاة، فهذا مما يسوغ النزاع فيه بين أهل العلم لخفائه وتعارض الأدلة في حكمه (المراد التعارض في أفهام المكلفين لا في نفس الأدلة الشرعية) (راجع المصدر السابق: ص 335 - 336 مختصرًا) .
وفي بيان ضوابط هذا النوع الأخير -أي: التمثيل بمعناه اللغوي- يقول المؤلف: (ويتحصل أن إباحة هذا النوع من التمثيل مقرون بخمسة شروط أساسية، وهي:
الأول: إباحته عند الحاجة لا من حيث الأصل. والحاجة هنا هي وجود المصلحة المعتبرة، أو دفع المفسدة المعتبرة التي لا يمكن دفعها إلا به دون غيره من الوسائل المباحة في الأصل. ويخرج من هذا الشرط: التمثيل الذي يهدف إلى عمل محرم، فهذا محرم أيضًا من جهة الأصل، أي: من كونه تمثيلًا. والتمثيل الذي يقصد به مجرد العبث، والتمثيل الهادف إذا أمكن أن تحصل المصلحة المرجوة منه بطريق مباح في الأصل.
الشرط الثاني: ألا يقترن به محرم، كنحو: وجود امرأة - وجود آلات لهو - أن يحصل فيه كذب وتزوير - أن يحصل فيه إسفاف.
الشرط الثالث: أن لا يمثِّل مَن علمنا مِن الشرع النهي عن تمثيلهم، مثل: تمثيل الرجل دور المرأة - تمثيل دور مَن يكون في تمثيله التنقيص من قَدْرِهم: كالأنبياء والملائكة قطعًا، والصحابة وكبار العلماء والصالحين على خلاف بين أهل العلم - تمثيل الأدوار السيئة - تمثيل دور الكافر والنطق بالكفر صراحة؛ فإنه محرم يقينًا إلا لضرورة ملحة كالإكراه، وليس التمثيل منها، قال -تعالى-: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (النحل:106) - تمثيل عوالم الغيب؛ فإنه يعد مِن الكذب والخرافة، وإفساد الاعتقاد.
الشرط الرابع: ألا يتضمن التمثيل الدعوة إلى محرم، كما هو حال التمثيل المتحلل من قيود الشرع.
ومن ذلك: الدعوة إلى المبادئ والقيم الفكرية المخالفة للشريعة الإسلامية - الدعوة إلى البدع المخالفة للشرع: كالعبادات المبتدعة أو الزيادات والنقصان في الدين - الدعوة إلى المعاصي: كالزنا والسرقة وعقوق الوالدين - الدعوة إلى العادات السيئة المخالفة للشرع، وغير ذلك مما حرَّمه الشرع أو كرهه.
الشرط الخامس: ألا يؤدي إلى محرم أو مكروه، كنحو: أن يلهي عن ذكر الله - أن يشغل عن واجب في الدين أو الدنيا، أو ما هو أولى منه - أن يتضمن من فعله ضياع الوقت أو الجهد أو المال الذي لا يفي بمصلحة التمثيل)، (فإن التمثيل إذا أدَّى إلى مكروه كره وإن أدى إلى محرم حرم ولو كان مستوفيا شروط الإباحة السابقة. والله أعلم) (مختصرًا من المصدر السابق، ص 337 - 339) .
فإن قيل: إن التمثيل ترفيه بريء ولهو مباح.
فيقال: إن التمثيل ليس -أو لم يعد- من اللهو البريء المباح؛ بدليل اشتماله على محرمات كثيرة سواء في ذاته أو موضوعاته، أو لوازمه التي لا تنفك عنه، فأنى له البراءة فضلًا عن الإباحة؟!
فإن قيل: إن التمثيل يحصل به نفع ومصلحة معتبرة، فإنه يتجاوز اللهو إلى التوجيه والتثقيف، وهي أمور ضرورية لتهذيب النفوس وترقية الأخلاق.
فيقال: هذه دعوة المفتونين بالتمثيل وفن السينما في الغرب، يقلدهم فيها من قلدهم وتبعهم من المسلمين المفتونين بهم. ولو فرضنا أنه ساهم في الرقي بأهل أديان أخرى غير الإسلام فليس بالضرورة أن يصلح لرقينا؛ خاصة وهو يخالف الإسلام مخالفة كبيرة، وصلاح هذه الأمة معلق بما خصنا به الله -تعالى- من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن واقع المسلمين يشهد بأن التمثيل الذي جرب في واقعنا، وكان سببًا لفساد كبير هو التمثيل غير الملتزم بالشرع.
فإن قيل: إن التمثيل أصبح في عصرنا الحديث ضرورة تمليها علينا ظروف الحياة.
فيقال: دعوى كون التمثيل ضرورة تحتاج إلى بيِّنة، وعلى افتراض كون التمثيل ضروريًّا، فيكون فعله حال الضرورة فقط، أي: يجوز فعله وقت الضرورة، ويقدَّر بقدرها.
فإن قيل: إن التمثيل مطلب حضاري، ولا بد من قبوله وعرضه.
فيقال: إن الحضارة التي نعيشها ليست نتاج السينما، بل هي نتاج تقدُّم صناعي وتقدم علمي غير مسبوق.
ومما ينبغي مراعاته هنا:
- أن مِن أنواع التمثيل ما فيه خوارم للمرؤة، وإسقاط للعدالة عند الفقهاء؛ لما فيه من الوقوف في مواقف شائنة مخزية، فقد نص الفقهاء في باب الشهادة على سقوط شهادة المضحك، وكثير الدعابة، والمستهزئ والمقلد (يراجع في ذلك باب الشهادات في كتب الفقه) .
- أن من أنواع التمثيل ما فيه محاكاة للغير على وجه التنقيص والاحتقار لا على مطلق المحاكاة، وهذا منهي عنه شرعًا، ففي حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
قال شمس الحق آبادي -رحمه الله- في (عون المعبود: 13/ 151): (أي: ما يسرني أن أتحدث بعيبه، أو ما يسرني أني أحاكيه بأن أفعل مثل فعله أو أقول مثل قوله على وجه التنقيص) (المصدر السابق، ص 322) .
وللأسف: فهناك من الأفلام ما تنتقص وتسخر من كثير من شخصيات المجتمع، منها على سبيل المثال: كثرة السخرية والاستهزاء من مدرسي اللغة العربية، ومدرسي التربية الدينية، والسخرية من المأذون، وإبراز تلك الشخصيات في صور مضحكة أو ساذجة، مع إبراز نطقها باللغة العربية الفصحى لمزيدٍ من السخرية والحط منها، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ) (الحجرات:11) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ) (رواه مسلم) ، ومنها ما يشوه صورة المرأة عامة والمصرية خاصة، ويسيء إلى صورتها وسمعتها.