شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (112) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يكتمل الحكم على الأفلام السينمائية المختلفة، ومشروعية إنتاجها والعمل فيها، والتكسب منها أو توزيعها والترويج لها، ومشاهدتها، إلا بالحكم على ما قد تتضمنه ويدخل فيها من أفعالٍ تعدُّ جزءًا من هذه الأفلام، ولها حكمها الخاص في الشرع الذي يدخل حكمه في حكم إنتاج الفيلم أو مشاهدته، ولو -على الأقل- في الجزء الذي ارتبطت به، وقد تُمنع الأفلام السينمائية إنتاجًا ومشاهدة بالكلية إذا كثرت فيها هذه الأمور الداخلة فيها مما يحرِّمه الشرع، وتباح إذا كانت هذه الأمور مما يبيحه الشرع، مع مراعاة ما يقرره الشرع لها -إن وجدت- من شروط وضوابط.

وقد أشرنا مِن قبل إلى ما يتعلق بحكم التمثيل، وبحكم التصوير السينمائي، ونستكمل الكلام عما يلحق بهما من أعمال قد تكون في بعض الأفلام، ومنها: الموسيقى بأنواعها، والغناء بأنواعه، والرقص أيضًا بأنواعه.

السينما والموسيقى:

ارتبطت السينما في الغرب بالموسيقى منذ نشأتها، فعندما كانت الأفلام السينمائية صامتة كان يصحب الأفلام معزوفات البيانو، وتكون متنوعة بحسب أحداث الفيلم، فتارة رتيبة ثابتة، وتارة رومانسية هائمة، وتارة مثيرة متوترة.

ومع ظهور السينما الناطقة صار يصحب بعض أحداث الفيلم موسيقى ومؤثرات صوتية تعبِّر عن -أو تعمِّق- الأحاسيس والمشاعر المرتبطة ببعض مواقف الفيلم؛ هذا إلى جانب الموسيقى التصويرية المميزة لبداية كل فيلم، والتي تصحب عرض بيانات الفيلم وأسماء المشاركين فيه؛ ولهذه الموسيقى متخصصون صارت لموسيقاهم شهرة عالمية بين الناس، وتعد علامة مميزة لهذه الأفلام ومرتبطة بها تذكر بذكرها، وكذلك الحال في موسيقى المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية.

وكلمة (موسيقى) لفظ يوناني وليس عربيًّا، مشتق من (موسا) ومعناها: الملهمة، وأضيف إليها حرفي: (قي)، ليطلق على فنون العزف على آلات الطرب. وكلمة الموسيقى مشابهة في اللغة العربية لكلمة المعازف.

ويُقاَل للاعب بالمعازف: عازف. (انظر: "حكم ممارسة الفن في الشريعة الإسلامية: دراسة فقهية موازنة" رسالة ماجيستير، تأليف صالح بن أحمد الغزالي - ط. دار الوطن - الرياض – ط. أولى 1417 هجري، ص 161) .

(والعزف والموسيقى عند أهل الفن: عبارة عن أصوات متقطعة موزونة، تحدث بواسطة آلات صنعت من الجمادات؛ سواء كانت بالقرع أو النفخ أو العزف عليها، ولها لذة عند سماعها).

ووصفت هذه الأصوات بأنها موزونة؛ للتفريق بينها وبين الضوضاء والأصوات العشوائية، وتحدث هذه الأصوات بواسطة آلات العزف، منها ما يحدث عند هز هذه الآلات، ومنها ما يحدثه القرع عليها، ومنها ما يصدر بحك الواحدة منها على أخرى، ومنها ما يحدث عند النفخ فيها.

وآلات العزف منها آلات وترية "تستخدم فيها الأوتار في إحداث الصوت"، يندرج تحتها: العود والقانون والرباب والقيثار ونحوها.

ومنها: آلات هوائية يخرج منها الصوت بالنفخ فيها، ويندرج تحتها: المزمار والبوق والناي، ونحوها.

ومنها: آلات تحدث الأصوات بطريقة الإيقاع أو الضرب والنقر عليها، وهي على نوعين:

الأول منهما: ذات رق، ويكون النقر فيها على جلد رقيق مشدود على إطار أو صندوق صوتي، ومنها: الدفوف والطبول والكوبة بأنواعها.

والثاني: المصوتة لذاتها، وهي التي تستعمل بضرب بعضها ببعض، ومنها: الأجراس والكاسات والصنوج (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 163-164) .

حكم المعازف:

يدخل في حكم المعازف: جميع الآلات التي يُعزَف عليها، ولم يُستثنَ منها في الحكم الشرعي إلا الدف بشروطه التي سنذكرها.

وجماهير العلماء على تحريم المعازف إلا الدف بشروطه، وهو مذهب الحنفية، والراجح من مذهب المالكية، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة.

وقد نفى الخلاف في حرمتها كثيرٌ مِن أهل العلم، ونقل ابن حجر الهيتمي الإجماع على حرمة المعازف، وقال: "ومَن حكى فيها خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هواه حتى أصمه وأعماه!" (كف الرعاع للهيتمي، ص 124) .

ونُقِل القول بإباحتها وإباحة سماعها عن بعض من السلف على تفصيل بين بعضهم فيها، والقول بإباحة المعازف مذهب ابن حزم الظاهري (انظر المحلى: 9/ 55 وما بعدها، ونيل الأوطار للشوكاني 8/ 264- 266) .

وقد تولَّى العديدُ من المحققين الرد على شبهات ابن حزم في إباحة الغناء، وطعنوا في صحة نقل إباحة المعازف عن الصحابة والتابعين (انظر المصدر السابق، ص 166، 167- 186) .

قال مؤلف (حكم ممارسة الفن، ص 187) في ترجيح المسألة ما مختصره: (يترجح القول بتحريم المعازف؛ لصحة أدلة التحريم، وسلامتها من الاعتراض، بخلاف أدلة الإباحة؛ فإنها ساقطة بالطعون الموجَّهة إليها. ويشمل تحريمها: تحريم الأمور التالية؛ لعموم نصوص التحريم، وعدم وجود الدليل المخصص لنوعٍ دون نوعٍ، وحال دون حالٍ:

1 - جميع أنواعها القديمة والحديثة؛ باستثناء الدف.

2- الآلات ذات الأصوات الهادئة أو الصاخبة؛ التصويرية أو الحماسية أو غيرها.

3 - سماع الرجال والنساء لها.

4- سماعها منفردة أو مقرونة بغيرها كالغناء.

5- سماعها مباشرة أو بواسطة أجهزة تسجيل).

وأضاف أيضًا: (ويصح القول بأن المعازف من المسائل المجمع على تحريمها) (انظر المصدر السابق، ص 188) .

حكم الدف:

والدف: هو الغربال أو الطار المعروف، وهو إطار خشبي يغطَّى بالجلد من جهةٍ واحدةٍ، وقد اتفق الفقهاء على إباحة الضرب به على الصفة التي رخص بها النص الشرعي، وتتضمن:

1 - أن يكون الضرب بالدف في العرس خاصة.

2 - أن يكون الدف من غير جلاجل.

3 - أن يكون الضرب بالدف للنساء دون الرجال.

واختلف الفقهاء في حكم الدفوف ذات الجلاجل، والجلاجل: صراصر من نحاس أو غيره توضع في خروق تفتح لها في جوانب الدف، على قولين: لعل المنع أقربهما؛ لكون الدف الذي فيه جلاجل محدثًا بعد عصر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتُقصر الرخصة -لأنها استثناء لا يقاس عليه- على الدف بدون جلاجل تقييدًا بما كان معروفًا في عصره -صلى الله عليه وسلم-، لا يزاد عليه؛ خاصة وأن تأثير الدفوف ذات الجلاجل أشد منها بدونها.

الصفحة التالية