الفساد (113) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (4) من تاريخ السينما المصرية (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد احتفلت مصر في عام 2007م بمرور مائة عام على دخول السينما مصر، وذلك باعتبار مرور مائة عام على تصوير أول فيلم مصري محلي، واعتبار هذا الحدث بداية لتأريخ السينما في مصر.
وهي نقطة تَقْبَل عند البعض المناقشة والاختلاف عليها، أي: نقطة أن يكون هذا الحدث هو الحدث الذي يكون عليه بداية هذا التأريخ؛ إذ يمكن أن يكون أول عرض سينمائي في مصر هو البداية وإن كان قد تم فيه عرض أفلام أجنبية لا مصرية، أو تكون البداية بأول تصوير محلي كما وقع عليه الاختيار، أو يكون بظهور أول ممثل مصري، أو بظهور أول مخرج مصري، أو يكون بإنتاج أول فيلم مصري روائي، أو يكون التأريخ بإنشاء أول أستوديو مصري للتصوير باعتبار وجود الأستوديو هو البداية الجادة لصناعة السينما، ورغم كل هذه الاعتبارات المتعددة فقد استقر رأيُ المسئولين على اعتبار عام 2007م هو العام المئوي للسينما المصرية.
والأرجح عند المهتمين بالسينما: أن "الإسكندرية" عَرَفَت أول عروض السينما توغراف (الصور المتحركة) في مصر، وذلك في 5 نوفمبر 1896م، ومن بعدها القاهرة في 28 من نفس الشهر، طبقًا لدراسة موثقة نشرت في مجلة الإذاعة في 19 نوفمبر 1977م (راجع: "فجر السينما في مصر" تأليف محمود علي - ط. الهيئة المصرية للكتاب - مكتبة الأسرة - عام 2016 م، ص 7) .
ومعلوم تاريخيًّا: أن أول عرض سينمائي في العالم قام به الأخوان لوي أوجيست لوميير في مقهى الجراند كافيه بباريس في 28 ديسمبر 1895م، وبعدها شرع الأخوان لوميير (في وضع خطة عاجلة للقيام بجولة باختراعهما في العالم قبل أن تُبلَى جدية الاختراع، وقبل أن تتاح الفرصة لمنافسيهما باستغلال آلة شبيهة لاختراعهما. وخلال شهر يناير من عام 1896م أرسل لوميير معاونوه ومساعدوه (فليسيان تروي) و(ألكسندر بروميو)، و(فرنسيس ميسوجتش) إلى أنحاء فرنسا وأوروبا، والجزر البريطانية للكسب من ورائه في أسرع وقت تصوره الأخوان لوميير كافيًا لاختراعهما) (المصدر السابق، ص 25 بتصرفٍ) .
كان دخول وانتشار السينما في مصر جزءًا من عصر جديد يأخذ بمظاهر الحياة الغربية بكلِّ ما فيها في ظلِّ الاحتلال الإنجليزي لمصر، وعلي يد الأجانب الذين امتلأت بهم مصر -خاصة الإسكندرية- سواء ممَّن اعتادوا التردد عليها أو أقاموا فيها أو ممَّن تمصر منهم.
لقد عرفت مصر (عروض السيرك والتنويم المغناطيسي والفنتوش (العرائس)، وغيرها من أشكال الترفيه، فشغلت بها الناس عما ألفوه من ترفيه: كخيال الظل وصندوق الدنيا، وحكايات الشطار، والعيارين (الصعاليك)، وألف ليلة وليلة، ولكن بعد حين، فقد كانت هذه المستحدثات قاصرة على قلة من سكان المحروسة أغلبها من الأجانب، في حين كانت الكثرة تعيش على هامش ما يدور حولها من هذه الأعاجيب التي لم تخطر على بالهم.
كان الأجانب هم السادة بعد أن تغلغلوا في شرايين الأمة منذ أن تولي سعيد الحكم، حتى جاء مِن كلِّ بقاع أوروبا المحتالون والباحثون عن الذهب بأعدادٍ هائلةٍ، كما لو كانت مصر كاليفورنيا جديدة! ثم كانت قناة السويس ورواج تجارة القطن ليحول هذا التيار إلى إعصار) (المصدر السابق، ص 31- 32 بتصرفٍ، نقلًا عن (بنوك وباشوات)، ترجمة عبد العظيم أنيس، ص 80 وما بعدها) .
وقد زاد من هذا الإقبال على مصر افتتاح قناة السويس في عام 1869م، وربط القاهرة بالإسكندرية عن طريق الخط الحديدي عام 1856، ثم ربط القاهرة بالسويس عام 1858م، ومع نهاية عصر إسماعيل وصل الربط إلى أسوان عام 1898م.
لماذا الإسكندرية؟!:
(ليس في هذا غرابة، فالإسكندرية كانت في نهاية القرن التاسع عشر تنافس العاصمة في الأهمية، وكانت أيضًا بؤرة تجمع الأجانب من كلِّ لون، تستقبل كل جديد وغريب من ألوان الحياة العصرية، وكان من بين هذه الغرائب: السينماتوغراف) (راجع المصدر السابق، ص26) .
وكان من العروض السينمائية الأولى المعروضة في الإسكندرية -والتي تم عرضها في بورصة طوسون باشا من الخامسة إلى الحادية عشرة مساء كل نصف ساعة- عروض: المتصارعون - أهالي مدغشقر - غابة بولونيا - الحدادون - لاعبو الملاكمة - صائدو الجمبري - ميدان الأوبرا في باريس - البحر في الهافر، وغيرها.
و(قد جذبت هذه العروض الأولى المجتمع السكندري، فقد شاهد طلبة المدارس والجامعات السينماتوغراف)، (وأبرق مندوبو الصحف إلى القاهرة بوصف أخبار هذا الاختراع العجيب؛ الأمر الذي جعل صاحب امتياز عرض الجهاز في مصر (هنري ديللو سترولوجو) يقرر عرض اختراعه في القاهرة بعد أن مهَّدت له الصحافة، وكان عرضه الأول في القاهرة بصالة (حمام شنيدر) على نخبةٍ مِن علية القوم في 28 نوفمبر 1896، أي: في نفس الشهر) (المصدر السابق، ص 27) .
(وقد أوردت جريدة (المقطم) في عددها الصادر بتاريخ أول ديسمبر 1896م وصفًا للعرض الأول في القاهرة قالت فيه: مِن أبدع ما تمتعتْ به الأنظار في هذا الشتاء من المخترعات والألعاب التي يأتينا بها الأوروبيون كل عام الصور المتحركة. فقراء المقتطف يعلمون أن المصورين بالشمس توصلوا إلى تصوير الصور وضم بعضها إلى بعض بحيث إذا مرت أمام عيني الناظر رآها تتحرك كأنها الأجسام الحية تمامًا.
وقد حضر (المستر ديللا سترولوجو) صاحب امتياز عرض هذه الصورة في القطر المصري، وقد عرضها مساء السبت الماضي في حمام شنيدر بجانب دائرة البرنس حليم على جماعة من أهل الذوق ورجال الأدب يتقدمهم سعادة محافظ العاصمة، فراقهم ما رأوه من الصور المتحركة، حتى خيل لهم أنهم يرون أمامهم أشباحًا متحركة وأجسامًا حية لا ينقصها إلا الصوت)، (وقد اتصل بنا أن صاحبها عازم على تعيين يوم للحريم فقط دون غيرهن، وجعل ذلك اليوم تحت رعاية سعادة المحافظ) (المصدر السابق، ص 27 - 28 بتصرفٍ) ، وقد كان جمهور هذه العروض الأولى (في غالبه من الأجانب والمتمصرين، والنخبة في المجتمع المصري) (المصدر السابق، ص 29) .