شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (114) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (5) من تاريخ الرقابة على السينما (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتجمع الرقابة على السينما في مصر بين الرقابة على سيناريو الفيلم قبل تصويره، وبين الرقابة على الفيلم بعد تصويره، مع إمكانية سحب ترخيص عرض الفيلم في أي وقت، لأي سببٍ تراه الرقابة، أي: أن تصريح الرقابة تصريح مؤقت بصفةٍ دائمةٍ.

ونظرًا لعدم تعرض قوانين الرقابة في مصر للمساس بنيجاتيف الفيلم الممنوع من العرض، فيمنع العرض دون المساس بنيجاتيف الفيلم، وإذا قررت الرقابة حذف أجزاءٍ من الفيلم فينفَّذ هذا الحذف في النسخ المخصصة للعرض العام دون النيجاتيف الأصلي الذي يبقى في حوزة صاحبه يمكنه أن يعرضه كاملًا في يوم من الأيام!

وقد صدر أول قانون للرقابة في مصر في 26 نوفمبر 1881، وهو: قانون الرقابة على المطبوعات، والذي يعد ردًّا على ثورة عرابي في سبتمبر 1881 بغرض الحدِّ من حرية الصحافة الوطنية.

ومع بدء ظهور العروض السينمائية في مصر عام 1896 كانت هذه العروض خاضعة لرقابة مأمور الشرطة مباشرة، وحسب تقديره الشخصي، وكذلك كانت العروض المسرحية.

ونظرًا لبدائية هذه العروض، كان الكلام عن الجانب الأخلاقي فيها على استحياء (وإن كانت بعض الإعلانات تشير وتنبِّه الجمهور كنوعٍ مِن الرقابة الذاتية من العارضين، وليس من الرقابة الرسمية)، ومنها مثلًا: (يعلن جون ملعب الحمراء عن برنامجه (وبه رقص غريب لم تتعوده أنظار الإسكندريين غير أن إدارة الملعب قد نبَّهت كرام السيدات لا سيما الآنسات منهن أن تمثيل هذه الليلة ربما مما لا يروق أعينهن، فهن معذورات إذا لم يحضرن) (راجع: "فجر السينما في مصر"، محمود علي، ط. مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية للكتاب 2016، ص 120) .

وفي عام 1904 أضيفت الرقابة على الأفلام السينمائية إلى قانون الرقابة على المطبوعات، (ومع ذلك لم تكن هناك رقابة حقيقية على مضمون ما يعرض، بل مجرد رقابة شكلية بناءً على شكاوى لمدير القسم الذي تتبعه دار العرض، وهي رقابة غير مجدية تحت كل المسميات؛ نظرًا لأن أصحاب هذه الدور كانت للأجانب، وتحت حماية الامتيازات الأجنبية حيث ترفع أي مخالفة أمام المحاكم المختلطة وإعلان القنصلتو التابع لها، صاحب المحل الأجنبي قبل التفتيش ... فضلًا عن تفاهة العقوبة التي لا تزيد عن الحبس مدة لا تزيد عن أسبوع، وبغرامة لا تتجاوز مائة قرش أو إحدى هاتين العقوبتين (المادة الخامسة والسابعة من القانون 13 لسنة 1904)، (وهو الامتياز الذي ظلَّ حتى اتفاقية مؤتمر مونرو سنة 1937، وقضى بإلغائها شكلًا على الأقل) (المصدر السابق، ص 121) .

وفي 17 يوليو عام 1911 صدرت لائحة (التياترات) في إطار المكتب الفني في وزارة الداخلية، حيث كان هذا المكتب يُرَاقِب دور المسرح، ودور السينما والصحف، وكافة أنواع المطبوعات، وكان من المواد التي تضمنتها اللائحة التي وضعتها نظارة الداخلية للتياترات، ومحال الصور المتحركة (السينما توغراف)، وقهوة الموسيقى، وأشباهها، كما نشرتها جريدة الأهرام في 17 يوليو 1911 (المادة 10: ممنوع ما كان من المناظر أو التشخيص أو الاجتماعات مخالفًا للنظام والآداب، وللبوليس الحق في منع ما كان من هذا القبيل وإقفال التياترو عند الاقتضاء)، (وعن مراقبة هذه التياترات نقلت الأهرام عن الوقائع ما تقرر مِن أن لكلِّ تياترو أن يعين محلًّا خاصًّا لضابط من ضباط البوليس يراقب التمثيل، وغيره من المناظر والصور التي تُعرَض فيه، وأن يحكم في كلِّ مخالفة طبقًا لأحكام هذه اللائحة) (راجع: "تاريخ الرقابة على السينما في مصر"، سمير فريد، ط. الهيئة المصرية للكتاب مكتبة الأسرة 2016، ص 14-15) .

وتعد هذه اللائحة أول عمل تنظيمي للإدارة للتدخل في شئون التياترات، وقد سبقتها تطورات دفعتْ إلى إصدارها، منها:

- انحسار وسائل الترفيه القديمة، مثل: القره كوز (الأراجوز)، وخيال الظل، وصندوق الدنيا، عن المدن، وانحصارها في الريف، حيث انتشرت في المدن ألوانًا جديدة من الترفيه على الطريقة الأوروبية، مثل: المسرح (التياترو)، والسينما غراف، والسيرك، وغيرها.

وتطورت بالتدريج المقاهي الموجودة في المدن الكبرى، والتي كانت مقاهٍ تقدِّم لروادها الراوي الذي ينشد القصص الشعبية: كالزناتي خليفة، وأبو زيد الهلالي، وسيف ذي يزن، إلى ملاهٍ ليلية أقرب إلى الكباريهات يرتادها الأجانب من اليونانيين والإيطاليين.

- ظهور طبقة جديدة من المثقفين الذين يرتادون المسارح، ومعهم طبقة من متوسطي الملاك خاصة بعد بيع محصول القطن كل عام؛ مما ساهم في ازدهار التياترات بكلِّ أنواعها؛ سواء المسارح الهزلية، أو المقاهي التي تقدِّم الفنون المبتذلة.

- قدوم رواد من الفن المسرحي من الشام إلى مصر في ظلِّ الأجواء المذكورة، والذي تبعه إنشاء المصريون أنفسهم لبعض (الأجواق)، والتي كانت تقدِّم روايات سياسية، إلى جانب (الراقصات والغواني اللائي كن يفدن في العادة من جنوب أوروبا، وكانت تكتظ بهم المقاهي الأجنبية وهو ما انتبه له واضعة لائحة التياترات).

وكانت مصر قد عرفت خلال عصر الخديوي إسماعيل الأوبرا وهي دار التمثيل الرئيسية في القاهرة، وكانت مقتصرة على الفِرَق التمثيلية الأجنبية إلا في مناسبات قليلة التي كانت تقيم فيها إحدى الجمعيات الكبيرة احتفالا يحضره أحد كبار المطربين المصربين مثل: عبده الحامولي، ثم ظهرت مسارح أهلية قام بإقامتها أوروبيون خاصة في الإسكندرية حيث يكثر بها الأجانب، وكان أشهر هذه المسارح مسرح زيزينيا.

وكانت تزور مصر وبشكل دوري فرق مسرحية فرنسية وإيطالية تشخِّص رواياتها التي يقبل عليها جمهور من الأجانب المقيمين في مصر، ومن المصريين أبناء الطبقات العليا الذين يجيدون لغات تلك الفِرَق وكان ذلك وقتها صورة من صور الأبهة الاجتماعية.

وكانت حكومة مصر تدفع كل عام من ستة إلى سبعة آلاف جنيه لمساعدة الأجواق الأجنبية التي احتكرت تياترو الأوبرا؛ رغم أنه لا يشهد تمثيلها إلا أعداد محدودة (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 19، 23) .

الصفحة التالية