الفساد (114) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (5) من تاريخ الرقابة على السينما (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتلا ذلك ظهور فِرَق وفدت من الشام خاصة تقدِّم مسرحيات مترجمة حرفيًّا من نصوص أوروبية، وأحيانًا بتصرف محدود، وقد استدعى ذلك أن تلتفت الحكومة إلى ما يقدَّم على هذه المسارح -والتي احتضنت تقديم عروض السنيما الفوتوغرافية الأولى- من خلال إرسال عدد من البوليس السري تحت إمرة مأمور القسم الذي يقع التياترو في دائرته إلى كل تياترو في كل ليلة؛ لمنع ما لم تصرِّح الحكومة بعرضه أو منع مَن يريد إلقاء خطبة مهيجة يعاقب عليها القانون.
ولمزيدٍ مِن الرقابة: صدر قرارٌ من وزارة الداخلية في أغسطس 1921 بمنع استيراد شرائط سينما فوتوغرافية من الخارج إلا بعد الحصول على ترخيص سابق من وزارة الداخلية؛ لمنع استيراد ما فيه مناظر منافية للآداب أو للآمن العام نظير رسوم جمركية.
وصدر كذلك قرار آخر في سنة 1928 بمنع تصدير أشرطة السينما فوتوغرافية المأخوذة في مصر إلا بعد الحصول على ترخيص سابق من وزارة الداخلية لمنع تصدير مناظر إلى الخارج فيها تمثيل لعادات وأخلاق ومعتقدات للأهالي مخالفة للحقيقة، وذلك نظير رسوم نفقة مراقبة (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 24 - 26) .
(يذكر جاك باسكال في (الدليل السينمائي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا) عام 1954 أن قانون رقابة الأفلام، وقانون تنظيم الأمن داخل دور العرض لم يتغيرا منذ أن صدرا عامي: 1904 و1911، وقد ظلت إدارة الرقابة على الأفلام تتبع وزارة الداخلية في إطار ما سُمِّي بالمكتب الفني الذي يضم أيضًا الرقابة على الصحف والمطبوعات حتى عام 1930، ثم خضعت بعد ذلك لإشراف المكتب الجنائي.
وفي عام 1945 أصبحت تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية بالاشتراك مع وزارة الداخلية، وظل الأمر كذلك حتى بدأت حرب فلسطين عام 1948، فعادت إلى تبعية الرقابة إلى وزارة الداخلية.
وفي عام 1955 انتقلت الرقابة إلى وزارة الإرشاد القومي والثقافة ثم إلى وزارة الثقافة عند فصل الوزارتين، وأخيرًا: إلى المجلس الأعلى للثقافة عام 1980) (المصدر السابق، ص 26) .
قال الناقد والمخرج أحمد بدرخان في كتابه: (السينما) الذي صدر عام 1936 تحت عنوان: (السيناريو وقلم الرقابة): (قلم الرقابة لا يتعرض فيما يقدم له من سيناريوهات إلى الناحية الفنية أو ما يتعلق بالذوق؛ إذ إن مرجع ذلك كله إلى الجمهور والحكم فيه له، ومهمة قلم الرقابة تنحصر في الأمور التالية:
- منع تعلم الجرائم أو بث الإجرام، أو تشجيع الميل الإجرامي في النفوس المستعدة له.
- منع انتهاك حرمة الأخلاق والآداب العامة.
- منع انتهاك حرمة الأديان السماوية.
- منع انتشار التعاليم الاجتماعية الخطرة، ولا سيما التعاليم الشيوعية.
- منع كل ما قد يؤدي إلى مشاكل سياسية أو دولية.
ولا تنتهي مهمة الرقيب بالتصريح على السيناريوهات الخالية من هذه الأمور، بل تعرض عليه بعد إخراجها وقبل استغلالها في دور السينما، فإن رأى أن المخرج أدخل عليها شيئًا يتنافى مع هذه الأمور حذفه، فيشوه الفيلم ويفقد تسلسله، فعلى المخرج ملاحظة ذلك ليوفِّر المجهود والمال، ويضمن لفيلمه الانسجام والتسلسل) (المصدر السابق، ص 28) .
ولقد (كانت الرقابة بمختلف أشكالها -وسوف تظل- تعبيرًا عن السلطة السياسية أيًّا كانت هذه السلطة في مصر، وفي غيرها من دول العالم، ويمكن تبيُّن توجهات السلطة السياسية بوضوح من خلال ما تمنعه الرقابة أكثر مما تتبين من خلال ما تصرِّح به) (المصدر السابق، ص 7) .
(كانت أولى معارك الرقابة على السينما في مصر: معركة موافقة يوسف وهبي على تمثيل شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- عام 1926، في فيلم ألماني دعمه مصطفى كمال أتاتورك رئيس الجمهورية التركية، والتي انتهت بتراجع يوسف وهبي عن موافقته بناءً على فتوى من الأزهر) (المصدر السابق، ص 33) .
(وفي عام 1955م صدر أول قانون للرقابة -وليس لائحة أو تعليمات- خاص بالرقابة على المسرح والسينما، وهو: القانون (340) بخصوص تنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية، ولوحات الفانوس السحري، والأغاني، والمسرحيات، والمونولوجات، والأسطوانات، وأشرطة التسجيل الصوتية. وكان هذا القانون والقرار الوزاري المنفذ له تعبيرًا حقيقيًّا عن روح الثورة (ثورة 1952)؛ إذ اعتبر الهدف من الرقابة هو حماية الآداب العامة، والمحافظة على الأمن والنظام العام ومصالح الدولة، دون أن يحدد بنودًا معينة، وترك ذلك لتقدير الرقباء أنفسهم) (المصدر السابق، ص 74) .
وفي 14 يونيو عام 1972 أرسلت الرقابة إلى جميع شركات توزيع الأفلام في القاهرة، ونص الخطاب: (أصدر السيد نائب رئيس الوزراء، ووزير الثقافة والإعلام تعليماته تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية بضرورة تنقية الأفلام السينمائية المصرية والأجنبية من المشاهد الجنسية الخليعة والألفاظ النابية، وكل ما يمس الأخلاق الفاضلة المنبثقة من تقاليدنا وعاداتنا، بحيث تصلح هذه الأفلام والمسرحيات للعرض على الكبار والصغار معًا) (المصدر السابق، ص 75) .
(وكما كانت الفترة من عام: 1952 إلى 1955 فترة انتقالية في تاريخ الرقابة بعد تغيير النظام السياسي، كذلك كانت الفترة من عام 1971 إلى عام 1976؛ إذ سرعان ما أدركت السلطات أن القرار الوزاري المنفذ لقانون عام 1955م لم يعد يتلاءم مع موجة الأفلام السياسية في النصف الأول من السبعينيات؛ ولذلك أصدر وزير الإعلام و الثقافة القرار رقم 220 لسنة 1976 بشأن القواعد الأساسية للرقابة على المصنفات الفنية بتاريخ: 28 إبريل عام 1976، والذي يعتبر عودة إلى تعليمات عام 1947 مرة أخرى؛ بالنص أحيانًا، وبإعادة الصياغة أحيانًا أخرى، وبالمضمون نفسه في النهاية، بل إن قرار 1976 يفوق تعليمات 1947 في فرض المزيد من المحرمات).
ومن أمثلة هذا التطابق: (ما يتعلق بالجنس في تعليمات 1947 تحرم إظهار الأجسام العارية؛ سواء بالتصوير أو بالظل، وتحرِّم إظهار أجزاء الجسم التي يقضي الحياء بسترها، وبخاصة أجسام النساء بشكل مبتذل (البطن - الصدر - الساق في بعض الأوضاع النابية)، كما لا يسمح بتسليط الكاميرا على الأجزاء من قرب بحيث يكون مظهرها منافيًا للآداب، ولا يرتاح إليها الذوق، أو يكون الغرض من إظهارها إثارة الغرائز.