شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التمسح بالشرع من الطب إلى الجنس

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

الإسلام دين شامل كامل، فيه كل ما يحتاجه الإنسان في معاشه ومعاده (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل:89)، ومع هذا يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ) رواه مسلم.

فهل يوجد أي تعارض في المسألة؟ بالطبع لا؛ فدين الله -عز وجل- فيه كل ما يحتاجه الإنسان من حيث هو إنسان، ذلك المخلوق المكرَّم. فيه كل ما يحتاجه لتنظيم علاقته بربه وبنفسه وبالناس والكون من حوله، وأما المَطعَم والملبس، والزراعة والصناعة فكلها أهون على الله من أن يرسل أشرف ملك لأشرف رسول لكي يبينها للناس، فلنترك لهم (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (الملك:15)، فضلاً عما في ذلك من التخفيف على الأمة في حمل أمانة دينها جيلاً بعد جيل، وإن كانت أصول هذه المسائل قد تناولها الشرع بالتحليل والتحريم، فأحل ما ينفع وحرم الخبيث.

بيد أن دين الله -عز وجل- كتاباً وسنةً لم يخل من موضوعات تتعلق بالدنيا، والذي يظهر من ذلك أن هذا قد يكون لعلل منها:

الأولى: سد الشغف الشديد لدى الإنسان لمعرفة بعض الأمور في الكون، كالنجوم والكواكب وغيرها، وفي عدم سد هذا الشغف تعريض للنفس البشرية للُّجوء إلى الجهال المتعالمين، والذي غالباً ما يستثمره الشيطان في نشر عقائد وأعمال فاسدة كالتنجيم والكهانة.

الثانية: وجود حاجة ماسة للإنسان في معرفة أمور لم تصل إليها علومه في زمن التشريع، ومن هذا الباب -والله علم- الطب الذي يعنى بصحة البدن.

ومن المعلوم أن المؤمن إنما يؤدي عبادته ببدنه، فهو في حاجة إلى حفظ هذا البدن، ومن هنا جاء الشرع بكثير من القواعد الطبية العامة الجامعة، وإن كان غلب عليها جانب الإجمال الشديد من بيان أصول الأدواء، وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن) رواه الترمذي، وصححه الألباني. أو أصول الأدوية كما في حديث: ( الشِّفَاءُ فِى ثَلاَثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، وَكَيَّةِ نَارٍ ، وَأَنْهَى أُمَّتِى عَنِ الْكَىِّ ) رواه البخاري ، وكما في حديث: ( إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلاَّ مِنَ السَّامِ ) رواه البخاري ، وحديث: ( الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَفِرُّوا مِنْهُ ) رواه مسلم ، عند من يحمله على أنه تقرير لمبدأ الحجر الصحي، وهو الراجح من حيث النظر والأثر.

والملاحظ في هذا كله أنه لا يوجد وصف لطرق تعاطي هذه الأدوية ولا لجرعاتها، ولا للأمراض التي تكون هذه الأمور سببًا لشفائها، ولا يكاد يوجد وصف تفصيلي لأمر طبي في الشرع إلا قليلاً، مثل وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لختان الإناث في قوله للخاتنة: ( إذا خَفَضْتِ فأَشِمِّي و لا تَنْهِكي؛ فإنه أَسْرَى للوجه و أَحْظى عند الزوج) أخرجه الطيالسي، وصححه الألباني ، وهذا -والله أعلم- لأنه أمر وثيق الصلة بالسلوك والأخلاق، واستقرار الحياة الزوجية.

ومن الفوائد اللطيفة أن أحد الباحثين الأمريكيين قد توصل لمعنى الحديث دون أن يعلم أنه حديث، ذكر أن عدم الختان يؤدي إلى تركيز شهوة المرأة في البظر دون الفرج، مما يسبب مشكلات لها ولزوجها، في حين أن الختان يؤدي إلى توزع الشهوة بين البظر والمهبل، ويحصل الإشباع المطلوب .

وهذا يقودنا إلى الكلام عن الفائدة الثالثة، والتي اكتشفها المسلمون في هذا الزمان، وهو أن بعض الإشارات العلمية في القرآن أصبحت الآن مشاهدة رأي العين، كأحوال الجنين في بطن أمه، أو على الأقل موجودة في دراسات تصل إلى درجة الظن الراجح، وهو ما عُرِفَ بالإعجاز العلمي في القرآن، والذي كان للكلام فيه أثر كبير لإسلام عدد كبير من علماء الغرب ومفكريه.

إلا أن كثيراً ممن خاض في هذا المضمار في غمرة الحماسة والفرح بهذا الباب الجديد، ظن أنه ما من حقيقة علمية أو حتى نظرية علمية إلا ولابد أن يوجد لها ذكر في القرآن، ظناً منهم أن هذا هو معنى قوله - تعالى- عن القرآن: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل:89)، فأخذوا يتعسفون في تأويل النصوص لإثبات احتوائها على كل الاكتشافات العلمية الحديثة، بل بلغ ببعضهم إلى أن يدعي أن الأمة لو درست القرآن حقاً لوصلت إلى كل هذه المخترعات قبل الغرب، مع أن علماء المسلمين الذين وصلوا بالفعل إلى مبادئ علوم الرياضيات والفيزياء قبل الغرب لم ينسب أحد منهم ذلك إلى القرآن!!

وأتى هؤلاء بعجائب منها: زعم بعضهم أن القرآن سبق إلى بيان علم "الذرة"، مع أن "الذرة" في القرآن كما هي في اللغة هي الشيء البالغ الصغر، مأخوذ من ذرات التراب أو من النمل الصغير.

ولما وجدت نظرية تبني تصوراً لأصغر وحدة توجد فيها المادة، وسميت في اللغة الإنجليزية " Atow "، وجاء دور الترجمة فلم يجدوا كلمة تعبر عن معاني التناهي في الصغر أفضل من كلمة "ذرة" المستخدمة في اللغة والقرآن، فأين إذن ذكر النظرية الذرية في القرآن؟ ولماذا إذن تركها المسلمون لو كانت موجودة حتى وصل إليها الغرب، ثم لم يصل إلى تفاصيلها من المسلمين بَعْدُ إلى ما وصل إليه الغرب ؟

وتزامن هذا مع وجود تيار في الغرب يدعو إلى إيجاد سبل علاج أخرى غير العلاج بالمستحضرات الكيميائية، التي بدأ العالم يشتكي من آثارها الجانبية مُر الشكوى مما عرف لديهم بالطب البديل، وكان أحد فروعه الرجوع إلى الطب القديم القائم على الأعشاب مثل الطب الصيني والفرعون والعربي والطب النبوي.

الصفحة التالية