آلام المسيح الحقيقية (1-2)
ياسر عبد التواب • مذاهب فكرية في الميزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن آلامًا عظمى تحملها السيد المسيح، كغيره من أولي العزم من الأنبياء، فمن كان يحمل هم أمة تكون مهامه كبيرة وشاقة، وتكون آلامه –أيضًا- كبيرة وشاقة ؛ وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم .
وبسبب ما يلاقيه أولئك الأكابر من جهل وعنت وإساءة تكون معاناتهم وبلاؤهم ، وأول ما يعانيه الأنبياء هو: إصرارهم على دعوتهم ، مع غفلة الناس عنهم، وحماقتهم في الرفض والتجاهل والكفر ، ثم تتوالى المعاناة وتتنوع بحسب طبائع الناس وتنوع الأحداث .
فالحق عند الأنبياء واضح أبلج ، ومصائر الكافرين والمكذبين لا تغيب عن أذهانهم ، فكأنهم ينظرون إلى أهل التصديق، وقد نعموا في الجنة وما فيها من خير ، وكأنهم يأسون لأهل الكفر وهم يعذبون في النار ، ويستغيثون ويندمون ويعضون أصابعهم قائلين: ( يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ) ( الأحزاب:66) .
فتمتلئ قلوبهم غمًّا وحسرة على غفلة البشر عن ذلك المصير ، وعن شدة الحساب، وعظم السؤال، وثقل المسئولية .
وقد عبر القرآن عن تلك الحالة النفسية للأنبياء، فقال عن محمد -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6) ، وقال -تعالى-: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (الشعراء:3) .
وكذا بلغت معاناة موسى - عليه السلام - من عنت بني إسرائيل - من متبعيه فضلاً عن مخالفيه - فقال : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة:25) ، يريد بذلك: المتعنتين من قومه الذين أسلموا معه ، لذا؛ فقد كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يقتدي به في صبره على من معه ، ففي "الصحيحين" عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ( قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مرة مالاً، فقال بعض الأعراب من المسلمين: "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله"، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاحمرت وجنتاه ثم قال : ( يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ) (رواه البخاري) .
أما المسيح - عليه السلام - فإنه –أيضًا- عانى من ذلك التكذيب والأذى، قال -تعالى-: ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:52) ، ومع ذلك لم يسلم من المعاناة حتى من متبعيه الذين طالبوه –أحيانًا- بما يشف عن مدى العنت الذي عاناه - عليه السلام -، قال -تعالى-: ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (المائدة:112) .
سبحان الله ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) ؟، وكأنهم لا يؤمنون بالله -تعالى- ولا بقدرته، بل ويسيئون الأدب مع النبي بنسبة الرب إليه، فلم يقولوا: ربنا، بل قالوا: ربك، وكأنهم لا ينتمون إليه... وكل ذلك يبرز فضيلة أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- الذين صبروا، وثبتوا، وجاهدوا.
وأنا هنا أفصل فيما يتعلق بمعاناة المسيح -عليه السلام-؛ لأن بعض الناس يغريه أن يشاهد فيلمًا أو يقرأ قصة عن آلام المسيح، وقد ينال ذلك إعجاب بعض الناس، لاسيما وهو يحيي العداء لليهود، مما يدفع الناس إلى التعاطف مع الفكرة، ويغفلوا عن معانٍ أخرى تناقض عقيدتنا تتسرب من خلال الفيلم، فأقول:
1- عانى المسيح -عليه السلام- من محاولات قتله من اليهود قتلة الأنبياء وقتلة أهل الخير - قديمًا وحديثًا-، قال -تعالى-: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (البقرة:61) .
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية ).
وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ) ( .
فقد قتلوا أنبياء كثر منهم: زكريا ويحيى -عليهما السلام، وتمالئوا على قتل عيسى، فباءوا بذنب ذلك، حتى وإن لم يمكنهم الله -تعالى- من تمام العمل؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وكذلك تمالئوا على قتل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة، فما كان الله -تعالى- ليسلطهم على أنبياء من أولي العزم.
قال -تعالى-: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) (النساء:157) .
فقد شُبه لهم ذلك الذي دل عليه، فقتلوه وهم يظنونه المسيح، ولم يمكنهم الله -تعالى- من نبيه.
