آلام المسيح الحقيقية (1-2)
ياسر عبد التواب • مذاهب فكرية في الميزان
وتلك قضية تبين مدى صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلو كان دعيًّا مدعيًا فقد كان يسيرًا عليه -لما كان بينه وبين اليهود من حروب- أن يدعم تلك الفكرة فكرة الصلب، فلن يضر دعوته شيء أن تلصق باليهود تهمة قتله، بل يساعد ذلك على ضم معادين جدد لليهود وهم النصارى، ولن يضير ذلك التوحيد.
لكن الرسول مبلغ عن ربه ويقرر الحقائق... مع ما يعلمه الله -تعالى- من شر تلك العقيدة التي يضل بها الشيطان أتباع الصليب بالنفخ فيها بشبهاته وأذاه.
2- من آلام المسيح كذلك: اختلاف الناس فيه بين غالٍ وجافٍ ، فمنهم: من آذاه بتكذيبه وإيذائه، ومنهم: من أساء إليه بنسبة الألوهية إليه، فخرجوا به عن طبيعته البشرية، وغالوا فيه.
وعقيدتنا: أنه نبي كغيره من الأنبياء، أكرمه الله بمعجزات، فإن قالوا: "جاء من غير أب"؛ قلنا: "وكذلك آدم جاء من غير أب ولا أم، وهو أول البشر؛ فهو أحق بالبنوة المزعومة من غيره".
ومن العجيب أنهم يدعون أنه جاء؛ ليخلص البشر من معصية آدم، ثم يبرءون اليهود الآن من دم المسيح؛ لأنه كان ينفذ إرادة الرب سبحان الله... ألم يكن آدم -أيضًا- ينفذ إرادة الرب عندما خرج من الجنة للأرض؟ ألم يتب الله عليه؛ فقربه، ولعن الشيطان، وإلا لتساوى هو والشيطان في الطرد من الرحمة؟!!
إن لم يكن الله -تعالى- عفا عنه بعد توبته فما السبب؟! أليس الله يقبل التوبة عن عباده... وإن كان عفا عنه فما الحاجة –إذن- لوجود مخلص آخر؟!
ثم ألم يكن الأنبياء من قبل عيسى يعلمون بوجوده، فلمَ لمْ يخبروا الناس عنه، ودعوهم إلى التوحيد فقط، أكان يسع الناس من قبل نزول عيسى أن يعبدوا إلهًا واحدًا، فلئن كان هذا يسع نوحًا وإبراهيم وموسى وأتباعهم؛ فإنه –كذلك- يسع الناس من بعدهم، وإلا لاحتاجوا إلى مخلص آخر؛ ليكفر تلك السيئة بعدما يكفر عنهم المسيح سيئة آدم، فإنه ينبغي عليه أن يعاود النزول؛ ليفدي الناس من معاصي غيره من الأنبياء، فيصلب فيستجير ويبكي كما فعل أول مرة.
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "جعله النصارى مصفعة اليهود ومصلوبهم الذي يسخرون منه ويهزءون به، ثم عقدوا له تاجًا من الشوك بدل تاج الملك، وساقوه في حبل إلى خشبة الصلب، يصفقون حوله ويرقصون، فلا بتلك الأنفة له من عبودية الله، ولا بهذه النسبة له إلى أعظم الذل والضيق والقهر، وكذلك أنفوا أن يكون للبطريك والراهب زوجة أو ولد، وجعلوا لله رب العالمين الولد، وكذلك أنفوا أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ويطيعوا عبده ورسوله، ثم رضوا بعبادة الصليب، والصور المصنوعة بالأيدي في الحيطان، وطاعة كل من يحرم عليهم ما شاء، ويحلل لهم ما شاء، ويشرع لهم من الدين ما شاء من تلقاء نفسه... ".
فأي آلام تؤذي المسيح أكثر من هذا الغثاء؟!
وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه في الحديث الصحيح أنه قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أَمَّا شَتْمُهُ؛ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ؛ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي ) ( رواه البخاري) .
فما ظن هذه الطائفة برب العالمين أن يفعله بهم إذا لقوه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ويسأل المسيح على رءوس الأشهاد -وهم يسمعون-: ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فيقول المسيح مكذبًا لهم ومتبرئًا منهم: ( سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (المائدة:116- 117) .
3- تحريفهم لكتاب الله -تعالى- الإنجيل حتى صارت التناقضات فيه والاختلافات بين نسخه محط سخرية الصغير والكبير، وكيف يكون في الإنجيل الذي أنزل على المسيح قصة صلبه، وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وصلب يوم كذا وكذا، وأنه قام من القبر بعد ثلاث، وغير ذلك مما هو من كلام النصارى، وغايته أن يكون من كلام الحواريين، خلطوه بالإنجيل، وسموا الجميع: إنجيلاً، وكذلك كانت الأناجيل عندهم أربعة يخالف بعضها بعضًا، ومن بهتهم وكذبهم: قولهم: أن التوراة التي بأيديهم وأيدي اليهود والسامرة سواء، والنصارى مجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة، ولا يعرفون الإنجيل غير هذا.
فإنجيل ألفه متى تلميذ المسيح بعد تسع سنين من رفع المسيح، وكتب بالعبرانية في بلد يهود بالشام، وإنجيل ألفه مرقس الهاروني تلميذ شمعون بعد ثلاث وعشرين سنة من رفع المسيح، وكتبه باليونانية في بلاد "أنطاكية" من بلاد الروم، ويقولون: إن شمعون المذكور هو من ألفه ثم محى اسمه من أوله، ونسب إلى تلميذه مرقس، وإنجيل ألفه لوقا الطبيب الإنطاكي تلميذ شمعون بعد تأليف مرقس، وإنجيل ألفه يوحنا تلميذ المسيح بعد ما رفع المسيح ببضع وستين سنة كتبه باليونانية.
وكل واحد من هذه الأربعة يسمونه: "الإنجيل"، وبينها من التفاوت والزيادة والنقصان ما يعلمه الواقف عليها، فدعوى الكاذب الباهت أن نُسَخ التوراة والإنجيل متفقة شرقًا وغربًا، بُعدًا وقـُربًا من أعظم الفرية، وقد وبَّخهم الله -سبحانه- وبكَّتهم على لسان رسوله بالتحريف والكتمان والإخفاء، فقال -تعالى-: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (آل عمران:71 ) .
