كيف نتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم (2-3)
عصام حسنين • التزكية
تحقيق المحبة الصادقة له -صلى الله عليه وسلم-
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
إن محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- واجبة، ويجب تقديمها على النفس والوالد والولد؛ لقول الله -تعالى-: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب:6)، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) رواه مسلم، وفي رواية له أيضاً: (حتى أكون ِأحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين) .
قال الخطابي -رحمه الله-: "معناه: لا تصدق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك".
وقال ابن بطال -رحمه الله-: "معناه: أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، لأن به -صلى الله عليه وسلم- استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال".
وقال القاضي عياض -رحمه الله-: "ومن محبته -صلى الله عليه وسلم- نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل ماله ونفسه دونه. وإذا تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن". أ.هـ من شرح مسلم2/ 19.
كما أن محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- سبب لتحصيل لذة الإيمان وحلاوته، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...) متفق عليه.
درجات محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-
قال ابن رجب -رحمه الله-:
"محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- على درجتين:
إحداهما: فرض، وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من عند الله، وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات، ونصرة دينه، والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لابد منه، ولا يتم الإيمان بدونه.
والدرجة الثانية: فضل، وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه، وحسن معاشرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة، والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، واهتزاز اللب عند ذكره، وكثرة الصلاة عليه لما سكن في القلب من محبته وتعظيمه وتوقيره، ومحبة استماع كلامه وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين.
- ومن أعظم ذلك: الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها، ورغبته في الآخرة." أ.هـ من (استنشاق نسيم الأنس صـ34/35).
بواعث محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-
لابد وأن نستثير محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنفسنا، وذلك بما يلي:
أولاً: أن نوافق الله -تعالى- في مراده، لأن الله -تعالى- قد اتخذه -صلى الله عليه وسلم- خليلاً.
ثانياً:" أن نعلم أن مقتضى الإيمان به -صلى الله عليه وسلم- محبته وتوقيره ومحبته على محبة كل أحد، ونصرته بكل مستطاع.
قال الله -تعالى-: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف:157).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
"التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم ما يصونه عن كل ما يخرجه عن حدّ الوقار". أ.هـ. من الصارم المسلول 1/45.
ثالثاً: التعرف على خصائصه ومميزاته التي ميزه الله به، وهي كثيرة عظيمة شريفة تجدها في كتب المناقب من دواوين السنة.
رابعاً: التفكر في جهاده -صلى الله عليه وسلم- حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه -تعالى-، وكذلك التفكر في رحمته وشفقته وحرصه على هداية قومه والأمثلة على ذلك كثيرة من سيرته -صلى الله عليه وسلم-.
وكذلك التفكر في هذا الخير الذي نحن فيه من الهداية والإيمان، فقد هدانا الله به، وأخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، فهو أول المسلمين، وأول المؤمنين، وأول الداعين إلى الله -تعالى-.
خامساً: كثرة الصلاة والتسليم عليه -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56) .
وهذا تكريم الله لرسولنا -صلى الله عليه وسلم-، ومن رَفْع ذكره، إذ أطبق أهل السموات والمؤمنون من أهل الأرض على الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-.
وفوق ذلك صلاة الله -تعالى- عليه، وهي الثناء عليه في الملأ الأعلى!
وهذه الآية مع أحاديث أخر دليل على وجوب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ذُكِر، وأما ابتداءً فهو استحباب، لأن الله أمر بها، والأمر يفيد الوجوب، وقول جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك) (رواه البيهقي وصححه الألباني).
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلّ عليّ) (رواه الترمذي وصححه الألباني) ، وجعل الله -تعالى- الثواب العظيم في الصلاة والسلام عليه -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج في ثلثي الليل فيقول: جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه. وقال أبي: يا رسول الله، إني أصلي من الليل، أفأجعل لك ثلث صلاتي؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: الشطر -أي النصف-. قال: أفأجعل لك شطر صلاتي؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: الثلثان أكثر.قال: أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: إذن يغفر لك ذنبك كله) (رواه أحمد والترمذي، وقال الألباني حسن صحيح).
