الهجرة الشرعية والهجرة غير الشرعية
السيد عبد الهادي • قاموس التصحيح السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
ففي عصر انقلاب الموازين وزلزلة الثوابت تخرج علينا كل يوم فتن تجعل الحليم حيراناً إلا من تمسك بكتاب ربه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- علماً وعملاً.
فلا شك أن حوادث غرق إخواننا وأبنائنا على السواحل الأوروبية قد فجَّر قضية "الهجرة الشرعية وغير الشرعية".
وأصبح الناس فريقان، فهذا يقول هؤلاء شهداء، والفريق الأخر يقول: بل هؤلاء طمَّاعون.
ونحن نرجو لجميع المسلمين حسن الخاتمة، ولكن لابد من بيان الخطأ لكي نتجنبه مستقبلاً. وكذلك لابد من بيان أمر يغفل عنه أكثر الناس، وهو أنه برغم جريان الاصطلاح المعاصر بإطلاق "الهجرة الشرعية" على تلك التي تكون موافقة للقوانين الوضعية، و"غير الشرعية" على التي تخالفها؛ فإننا لاينبغي أن ننسى أن هذه الاصطلاحات تخالف من حيث الدلالة ماهو معتبر عندنا شرعاً بالنسبة لأمر الهجرة.
ويزداد الأمر خطورة كلما ارتفع العلم من بين الناس، وبقيت هذه الاصطلاحات الأجنبية عنا هي وحدها التي يُرد إليها الأمر دون النظر إلى موقف الشرع من ذلك.
فإن من التضليل والتلبيس على الناس أن يقتصر إطلاق لفظ الهجرة الشرعية على السفر إلى بلاد الكفار أو غيرهم بشرط موافقتهم على ذلك، فإن الهجرة الشرعية هي الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وليس العكس.
وقد ذكر العلماء أنواع الهجرة :
فقال النووي -رحمه الله-:
"أصل الهجرة المجافاة والترك، فاسم الهجرة يقع على أمور:
الأول: هجرة الصحابة -رضي الله عنهم- من مكة إلى الحبشة حين آذى المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فهاجر الصحابة إلى بلاد النجاشي، وكانت هذه الهجرة بعد البعثة بخمس سنين. قاله البيهقي.
الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة، وكانت هذه بعد البعثة بثلاث عشرة سنة، وكان يجب على كل مسلم بمكة أن يهاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة، ولكن هذا ليس على إطلاقه فإنه لا خصوصية للمدينة، وإنما الواجب الهجرة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن العربي: "قسَّم العلماء -رضي الله عنهم- الذهاب في الأرض: هرباً، وطلباً، فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وهي باقية إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا هجرة بعد الفتح) متفق عليه ، هي القصد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كان.
الثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: "لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسَبُّ فيها السلف".
الثالث: الخروج من أرض يغلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فريضة على كل مسلم.
الرابع: الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله -تعالى- أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه في مكان فقد أذن الله -تعالى- له في الخروجِ عنه والفرارِ بنفسه يخلصها من ذلك المحذور، وأول من فعل ذلك إبراهيم -عليه السلام- حين خاف من قومه قال: ( إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) (العنكبوت:26)، وقال -تعالى- مخبراً عن موسى -عليه السلام-: ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ) (القصص:21).
الخامس: الخروج خوفَ المرض من البلاد الوخِمة إلى أرض النزهة، وقد أذن -صلى الله عليه وسلم- للعرنيين في ذلك حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المرج.
السادس: الخروج خوفاً من الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه.
وأما قسم الطلب فإنه ينقسم إلى عشرة؛ طلب دين، وطلب دنيا،
وطلب الدين ينقسم إلى تسعة أنواع:
القسم الأول: سفر العبرة؛ قال الله -تعالى- ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) (فاطر: 44)، وقد طاف ذو القرنين في الدنيا ليرى عجائبها.
القسم الثاني: سفر الحج.
القسم الثالث: سفر الجهاد.
القسم الرابع: سفر المعاش.
القسم الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وهو جائز لقوله -تعالى- ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ) (البقرة:198).
القسم السادس: طلب العلم.
القسم السابع: قصد البقاع الشريفة، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) متفق عليه.
القسم الثامن: قصد الثغور للرباط بها.
القسم التاسع: زيارة الإخوان في الله -تعالى-، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِى قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِى فِى هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لاَ غَيْرَ أَنِّى أَحْبَبْتُهُ فِى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ فَإِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ) رواه مسلم وغيره.
الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليتعلموا الشرائع، ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم.
الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يرجع إلى قومه.
الهجرة الخامسة: الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فلا يحل للمسلم الإقامة بدار الكفر. قال الماوردي: فإن صار له بها أهل وعشيرة، وأمكنه إظهار دينه لم يجز له أن يهاجر، لأن المكان الذي هو صار دار إسلام.
الهجرة السادسة: هجرة المسلم أخاه فوق ثلاث بغير سبب شرعي: وهي مكروهة في الثلاث وفيما زاد حرام إلا لضرورة.
الهجرة الثامنة: هجرة ما نهى الله عنه: وهي أعَمُ الهجرة.
وبيَّن العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- شروط السفر إلى بلاد الكفار فيقول:
