فوائد من رفض الأمة لعدوان "إبراهيم عيسى" على الثوابت!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
1- أن لله عز وجل شريعة ملزمة: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ).
2- أن هذه الشريعة مصدرها الأصيل هو القرآن، وهو الذكر الأول الذي قال فيه الله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر: 9)، ومَن شك في القرآن أو في حفظ الله له؛ فقد خرج من ملة الإسلام.
وهو هنا يختلف عن نظرة الأمم الأخرى إلى الكتب التي بين أيديهم، وهم عدوا تلك الكتب تراثًا لهم اختلط فيه الإلهي بالبشري، ومِن ثَمَّ أخضعوه لمناهج نقد التراث، والتي أساسها معارضة المادة موضوع النقد لاكتشاف مدى توافقها مع التاريخ أو الاجتماع أو الأدب، أو حتى الصلاحية للتطبيق!
ولا يوجد مسلم يقول هذا على كتاب الله تعالى، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث في أول الأمر، وهو القائل: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، ولم يأذن فيه حتى استقر لدى الأمة تمييز القرآن مِن السنة.
3- أن السنة وحي من عند الله: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم: 3، 4)، وأنها الذكر الثاني الشارح والمبيِّن للذكر الأول: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل: 44)، ومِن ثَمَّ فهي داخلة في وعد الله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
4- أن منهج تفسير أي خطاب كهذا، يجب أن يستنِد إلى قواعد واضحة تمكِّن المتلقي من تفسير الكلام على مراد المتكلِّم، وهذا يشمل أمورًا:
- ما يذكره المتكلم مِن كلامٍ يفسر به كلامًا آخر.
- قواعد اللغة التي تكلَّم بها المتكلم وقت تكلمه بها.
- ما يذكره من قواعد يبيِّن بها حكم المسكوت عنه في كلامه.
وهذا وإن كان واجبًا في حق تفسير كلام البشر الذي له صفة الإلزام، فإلزامه ليس في ألفاظه، وإنما في المعاني التي أراد المتكلم أن يُلزم بها؛ فتطبيقه في كلام الله تعالى وكلام رسوله من باب أولى.
وتعظيمًا لأمر الكتاب والسنة وَضَعَتِ الأمةُ عِلْم "مصطلح الحديث"؛ الذي ما زالت تفاخر به البشرية.
ووضعت علم "أصول الفقه" فتعلمتْ منه البشرية قواعد تفسير النصوص التي يُحترَم مصدرها ودلالتها، فأخذوها ليستفيدوا منها في دنياهم في العقود والمعاملات، ثم صدَّروا لنا مناهج النقد الأدبي والنقد التراثي، وجعلوا يَؤُزُّون أذنابهم ليطبِّقوها على أشرف كلام، وأصدق كلام، ويحرفوا بها الكَلِمَ عن مواضعه -والعياذ بالله-.
5- بيَّنَّا كيف أرشد الشرع إلى الاحتياط البالغ في منع اختلاط السنة بالقرآن؛ رغم أن كليهما ملزم، وعلى نفس الطريق سار أهلُ الحديث؛ فاحتاطوا جدًّا مِن اختلاط الشرح أو التفسير بالرواية، حتى عدوا من أقسام الحديث: "المدرج"؛ لكي يفتشوا ويخلصوا الحديث من أي كلمة تفسيرية أضافها أحد الرواة فظنها الناقل عنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلها في الحديث -مع أنها غالبًا ما تكون تفسيرًا صحيحًا-؛ لكن حفظًا للوحي وتنزيهًا له عن أن يدخله كلام أحدٍ آخر.
6- وإذا كانت الأمة قد احتاطت حتى لا تختلط أقوال الرواة التفسيرية بنصِّ الرواية؛ فما بالك بالأقوال والآراء؟! فقد روعي فيها تمامًا أن تُنسَب إلى قائليها، وأن يُعمَل فيها بقاعدة: "كلٌّ يؤخذ مِن قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
7- بيد أن القرآن قد بيَّن أن هناك آيات محكمات وأُخر متشابهات، وبالتالي: فقد تمكَّنت الأمة جيلًا بعد جيلٍ من ردِّ كل ما يخالف المحكم من الأقوال؛ فلم يقيموا لها وزنًا علميًّا، كالأقوال المشككة في الإسراء أو المعراج.
وأما النصوص المتشابهة؛ فقد بيَّن الله أنه ما جعلها إلا فتنة وابتلاء، وبالتالي فقد قبلت الأمة البحث فيها بشرطين:
أولهما: أن يُتفق على أنها يجب أن تُبحَث على ضوء المحكم.
الثاني: ألا يخرج بها عن حدِّ التفسير الذي هو الاجتهاد في استكشاف مراد القائل من الكلام، إلى محاولة التحريف والتبديل، وإعمال الهوى؛ استثمارًا لكون المسألة ليس فيها دليل محكم.
ومَن حاد عن هذين الشرطين؛ فهو ممَّن وصفهم الله أن في قلوبهم زيغًا، ويأتي على رأس هؤلاء: الذين يطبِّقون مناهج النقد الأدبي، أو مناهج نقد التراث (بمفهومه الغربي) على الوحي المعصوم وعلومه، وهذا ما سنفرده بمقالة قادمة بإذن الله بعنوان: "مناهج نقد التراث الغربية وجنايتها على علوم الوحي".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
