فوائد من رفض الأمة لعدوان "إبراهيم عيسى" على الثوابت!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
و أما القول بأن المعراج كان بالروح فقط؛ فقد ناقشه أهل العلم باعتبار أنه يستأهل النقاش، ولكن جماهير العلماء رفضوه، حتى أهمل البعضُ هذا القول، فعدُّوا أن اعتقادَ أن المعراج كان يقظة بالروح والجسد من مواطن الإجماع.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (3/33): "ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون مِن العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك منامًا، ثم رآه بعده يقظة؛ لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله -تعالى-: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) (الإسراء: 1)، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضًا: فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى: ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) (الإسراء: 60)، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري، وقال -تعالى-: ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) (النجم: 17)، والبصر من آلات الذات لا الروح. وأيضًا: فإنه حمل على البراق، وهو: دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن، لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم" (انتهى) .
وبالتالي: فعلى الرغم مِن ضعف حجة مَن قال: إن المعراج كان بالروح فقط؛ إلا أنه يختلف عمَّن أنكره؛ لأن حقيقة القول بأنه رؤية منامية إنكار له؛ إذ لا عجب في أن يرى في المنام ذلك، بل أن يرى ما هو أعجب منه.
5- يقسِّم الأشاعرة علم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
قال "الباجوري" في حاشيته على جوهرة التوحيد: "وقد انقسمت مباحث هذا الفن ثلاثة أقسام:
إلهيات: وهي المسائل المبحوث فيها عما يتعلق بالإله.
ونبوات: وهي المسائل التي يبحث فيها عما يتعلق بالأنبياء.
وسمعيات: وهي المسائل التي لا تتلقى أحكامها إلا من السمع".
وهذا القسم الثالث يسمَّى عندهم بالغيبيات باعتبار موضوعه، وبالسمعيات باعتبار أنه عندهم مما يُقبَل فيه الدليل السمعي (أي: الدليل النقلي من الكتاب والسنة) دون الحاجة إلى الدليل العقلي، بينما "باب الإلهيات" لا بد فيه من اجتماع الدليلين: العقلي والسمعي، فإذا تُوهِّم التعارضُ فإنهم يؤولون الدليل السمعي، بل بالغ الرازي؛ فجعل باب الإلهيات عقليًّا محضًا!
ورغم أن أصل الاشتغال بعلم الكلام بدأ كنوعٍ مِن الدفاع عن عقائد السلف بطريقةٍ عقليةٍ، إلا أنهم توهموا تعارضًا في بعض المسائل مع ما ظنوه دليلًا عقليًّا؛ لكنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد قطع حجتهم حينما أتى على كلِّ الأبواب التي توهموا فيها التعارض بين الشرع والعقل، ومِن ثَمَّ غلَّبوا العقل، وبيَّن أنه ليس ثمة تعارض بين الدليلين.
وقد بيَّن رحمه الله قواعد في غاية الأهمية:
أولها: استحالة تعارض الدليل الشرعي الصحيح مع القطعيات العقلية، وأننا متى توهمنا ذلك؛ فإن الخطأ مِن جهتنا نحن؛ فإما أننا نسبنا إلى الشرع ما ليس منه، أو أننا صنَّفنا مسألة على أنها من القطعيات العقلية، بينما هي مِن باب النظر العقلي، أو من باب ما يعجز العقل عن إدراكه.
وأما القطعيات العقلية فهي: التي تستند إلى الفطرة، أو بدهيات العقول، أو ما تولَّد منهما بطريقة استدلال برهاني، وهذه القطعيات من المحال أن تصادم الوحي، بل إن مِن الأصول المعتمدة في فهم النصوص الشرعية ألا تفسَّر بما يصادم القطعيات العقلية أو الحسية.
ثانيهما: النظر العقلي رؤية يراها صاحبها من استحسان شيء أو استقباح آخر، ونحن نرى الشخص يرى الرأي اليوم ويرجع عنه غدًا، بل رأينا أفكارًا مات ملايين بسببها: كالاشتراكية، ثم تراجع أصحابها عنها، ثم عادوا فحنوا إليها! فكيف يمكن لمَن يؤمن بالله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يجعل رأيًا رآه هو أو رآه غيره طعنًا فيما ثَبَت عن شرع رب العالمين؟!
الثالث: أعجب مِن هذا مَن يُعَارِض الشرع لمجرد أن يثبِت الشرع مسألة يعجز العقل عن التعرُّض لها بنفي أو إثبات؛ لعجز الحواس أو محدوديتها! وفي هذه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الشرع يأتي بمحارات العقول، ولا يأتي بمحالات العقول".
وكنا نتمنى لو أدرك أصحاب المذاهب الكلامية كيف صارت أقوالهم وشبههم التي يذكرونها في باب الإلهيات هي بعينها التي يَلج منها الزنادقة والمشككون في باقي أبواب الدين.
ومن المفيد في تلك النازلة: أن نجد أن ردودَ رموز المدارس الكلامية -قديمًا وحديثًا- يرددون هنا ذات أصول الاستدلال عند أهل السنة والجماعة؛ فعندما قال المشككون في الإسراء والمعراج: إن القصة أو بعض تفاصيلها منافٍ للعقل، وخارم لنواميس الطبيعة؛ ردوا عليهم بلسان الحال أو بلسان المقال: "الشرع يأتي بمحارات العقول ولا يأتي بمحالات العقول!".
وحينما شكك المشككون في المعراج بكونه لم يُصرَّح به إلا في السنة؛ أجابوهم أن السنة وحي كما أن القرآن وحي، ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم: 3، 4) .
وحينما اعترض المشككون في أنها أحاديث آحاد أجابوهم: أن أحاديث الآحاد الصحيحة وَفْق قواعد النقد الدقيقة التي وضعتها الأمة يُحتَج بها في باب الغيبيات (وكنا نود لو قالوا: إنها يحتج بها مطلقًا؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الصحابي الواحد لأهل بلد فيعلمهم الدين كله؛ عقائده وأحكامه).
6- المستفاد من هذا المسلك الذي اتفق عليه علماء الأمة -وإن خالفه مَن انتسب منهم إلى الأشعرية في باب الإلهيات- هو: أن منهج أهل الإسلام في معرفة دينهم قائم على:
