تنظيم العمل التطوعي (فن بناء الهياكل)
غريب أبو الحسن • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
- مقدمة:
- إذا كان التخطيط هو فن استشراف المستقبل ومحاولة الاستفادة من المعلومات والموارد المالية والبشرية بأفضل طريقة، ورسم خطوات المؤسسة والتفكير العميق في الأهداف لإعداد خطة العمل؛ فإن التنظيم هو بناء الهيكل والتوصيف الوظيفي لوحداته، وضبط العلاقات بينها، وهذا الأمر هو الذي سوف يمكننا من تنفيذ هذه الخطة وتحقيق ما بها من أهداف.
- ودعونا نتخيل أن هناك مركزًا يتكون من مجموعة من القرى، وقد أعدت إدارة المركز خطة طموحة للارتقاء بهذه القرى، وقد راعت ما يُرَاعَى في الخطط مِن أن تكون متناسبة مع الإمكانات البشرية والمالية في تلك القرى، وطلبت إدارة المركز من مسؤول القرية أن ينفِّذ هذه الخطة، فما تخيلك للخطوات اللازم اتخاذها من قبل مسئول القرية لتنفيذ هذه الخطة؟
- إذا أراد مسئول القرية أن ينفذ الخطة لابد أن يكون عنده مجموعة من الأفراد المنتظمين في هيكل من أصحاب الكفاءات؛ لكي يقوموا على تنفيذ هذه الخطة، ولكن كيف سيقوم مسئول القرية بإنشاء الهيكل المطلوب؟
- سيتعين عليه أن يقرأ الخطة قراءة جيدة، ويستعين في ذلك بأهل الخبرة من قريته.
- سيجد أن الخطة عبارة عن مجموعة من البرامج والأنشطة المتداخلة، ومن غير المنطقي أن يكلف الأفراد بالخطة كلها، بل لا بد أن يقسم هذه الخطة لمجموعة من الأنشطة الواضحة، ثم يقسم الأنشطة لمجموعة من الوظائف التي يصلح أن يكلف بها بعض الأفراد.
- ثم سيجمع الوظائف المتشابهة لتكوين مجموعة من الوظائف الكبرى، مثل وظائف متعلقة بمحو الأمية، ووظائف متعلقة بالتدريب على وسائل الزراعة الحديثة، ووظائف متعلقة بالشكل الجمالي للقرية، مثل: الترميم، والطلاء، وغيرها، وظائف متعلقة بجانب الرعاية الصحية.
- وقد تكون الخطة مقسَّمة مباشرة على هيئة وظائف كبرى يصل إليها مَن يريد بناء الهيكل بشكل مباشر.
- بعد هذا التحليل يمكن أن يعتبر مسئول القرية نفسه هو المستوى الأول في الإدارة بصفته رئيس القرية.
- ثم يجعل تحته مدراء فرعيين يمثِّلون ما سبق من وظائف كبرى، مثل مدير فصول محو الأمية، ومدير التدريب، ومدير التطوير الجمالي، ومدير الجانب الصحي.
- ثم سيجد بعض الوظائف المركزية، التي يحتاج لها لخدمة الوظائف الكبرى السابقة، مثل: المشتريات والجانب المحاسبي، فيضيف مديرًا ماليًا بجوار الإدارات السابقة، وتكون واقعة تحت مسئوليته مباشرة، وهكذا سيضيف أيضًا مديرًا لشئون العاملين، إلخ، وكل ما سبق من الوظائف الكبرى يمثلون المستوى الثاني الإداري في الهيكل.
- وبعد الانتهاء من المستوى الإداري الثاني في الهيكل، سينظر لهذه الوظائف الكبرى ويحدد ما تحتاجه من وظائف فرعية لتنفيذ الخطة، مثل: إدارة الرعاية الصحية ستحتاج لمسؤولٍ عن المعمل، ومسؤول عن الصيدلية، ومسؤول عن القوافل الطبية، ومسئول عن العيادات، وهذه الوظائف الفرعية تمثِّل المستوى الإداري الثالث.
- وهكذا يكون مسئول القرية قد رسم الهيكل المطلوب لتنفيذ خطة تنمية القرية، عن طريق بناء هيكل يحتوي على ثلاث مستويات إدارية، لينتقل بعد ذلك للقيام بالتوصيف الوظيفي لوظائف القرية، ثم لضبط العلاقة بين إدارات الهيكل، لينتقل بعد ذلك نحو التنفيذ.
وسنشرع في الورقات القادمة بذكر بعض المبادئ والضوابط التي ستعين بإذن الله على القيام بوظيفة التنظيم.
- تعريف التنظيم:
- يقول بيتر دراكر: إن التنظيم هو عملية تحليل النشاطات والقرارات والعلاقات، وذلك لتصنيف العمل وتحويله لأنشطة يمكن إدارتها، ثم تقسيم تلك الأنشطة لوظائف، ثم تجميع هذه الوظائف في هيكل تنظيمي، ثم اختيار الأشخاص لإدارة هذه الوظائف.
- أهمية التنظيم:
- يمثِّل التنظيم الوظيفة الثانية من وظائف الإدارة، وهو حلقة الوصل بين "التخطيط" وباقي الوظائف، وهي الحلقة التي تمكنا من تحويل التخطيط -الذي هو جانب نظري- إلى جانب تنفيذي، ويحول بيننا وبين أن نظل دائرين في حلقة مفرغة من التنظير.
- حسن التنظيم وضبط العلاقات بين الإدارات التابعة للمؤسسة يغني عن قضاء أوقات طويلة في محاولات فض النزاعات التي تنشأ بين هذه الإدارات.
- كما أن التوصيف الوظيفي الدقيق لوظائف الهيكل تجعل الأفراد أكثر فهمًا لدورهم في تحقيق أهداف المؤسسة.
- ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب يوفِّر الوقت والجهد الذي سننفقه في معالجة اختيار الشخص الخطأ.
خطوات التنظيم:
1- تحديد نمط التنظيم: للتنظيم عِدَّة أنماط يمكن أن يقوم عليها الهيكل، منها: التنظيم وَفْق الوظيفة، وهو الأشهر كما أسلفنا في مثال المقدمة.
ومنها: التنظيم حسب الأهداف، بأن يجعل مديرًا على كلِّ هدف من أهداف المؤسسة.
ومنها: التنظيم على أساس جغرافي.
ومنها: التنظيم على أساس الشرائح المستهدفة.
وقد تختار المؤسسة نوعًا من التنظيم المختلط الذي يجمع بين أنواع مختلفة من التنظيم، فيجعل المستوى الأول الإداري مبنيًّا على التنظيم الوظيفي، والثاني مبنيًّا على النمط الجغرافي، والثالث مبنيًّا على التنظيم حسب الشرائح المستهدفة، ولنفترض خلال هذا المقال أننا اعتمدنا الهيكلة على أساس النمط الوظيفي.
2- تحليل الخطة بما فيها من أهداف وأنشطة ووسائل للوصول إلى الوظائف الكبرى، التي سيشغلها المدراء الذين سيشكلون في مجموعهم المستوى الإداري الثاني.
3- تحديد الوظائف الفرعية التابعة للوظائف الكبرى، والتي ستشغلها فِرَق العمل التابعة للوظائف الكبرى.
4- تحديد التوصيف الوظيفي لكافة الوظائف ومتطلبات الوظائف.
5- ضبط العلاقات بين المدير وباقي المدراء، وبين المدراء وفرق العمل، وبين أعضاء فريق العمل الواحد.
6- تسمية الموظفين في الوظائف المختلفة.
7- تدريب الموظفين على وظائفهم.
- مبادئ التنظيم:
- مبدأ تقسيم العمل وتفويض السلطات:
ونعني بمبدأ تقسيم العمل: أي: تقسيم الوظائف والمهام الكبيرة لمهام ووظائف يمكن التكليف بها.
