شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تنظيم العمل التطوعي (فن بناء الهياكل)

غريب أبو الحسن • مع الدعاة

أما اللامركزية: فأبرز عيوبها هي ضعف جودة القرارات إذا تركت للمستويات الوسيطة من الإدارة، ولكن أبرز ميزاتها هي فاعلية المؤسسة وقدرة أفرادها على الترقي والتحول لقيادات ماهرة مع الوقت، وكذلك زيادة روح الانتماء للمؤسسة بمشاركة الأفراد في صنع القرار، مع القدرة على التمدد وزيادة رقعة الانتشار؛ لأن قرار العمل موزعٌ على عددٍ كبيرٍ مِن العاملين؛ مما يجعل رئة المؤسسة منتعشة دائمًا، وقادرة على الركض لمسافات أكبر.

- مبدأ التنظيم الرسمي وغير الرسمي.

في كل مؤسسة "خاصة المؤسسات الكبيرة" يكون هناك نوعان من التنظيم:

النوع الأول هو: التنظيم الرسمي: وهو التنظيم المعتمد من قِبَل الإدارة، والذي يظهر على شكل علاقات رسمية في العمل، ويكون له سلطة رسمية ويظهر في شكل خارطة التنظيم.

والنوع الثاني هو التنظيم غير الرسمي: وهو الذي ينشأ لوجود علاقات أخوية أو ودية بين العاملين في المؤسسة، أو لوجود صلة قرابة مثلا بين العالمين أو بسبب القرب الجغرافي، أو الالتحاق المتزامن بالمؤسسة، وهو غير معتمد من الإدارة العليا ولا يترتب عليه سلطة، ولا يظهر في خريطة التنظيم الرسمي للمؤسسة.

تتخوف بعض المؤسسات من هذه التنظيمات غير الرسمية، وترى أنها يمكن أن تكون عاملًا من عوامل الخطورة على المؤسسة؛ خاصة إذا تواطأ هؤلاء الأفراد على ارتكاب المخالفات أو التستر على المخالفات أو تبني مبادئ تخالف مبادئ المؤسسة.

بينما الحقيقة أن مثل هذه التنظيمات غير الرسمية يصعب إلغاؤها؛ لأنها تنمو بنمو العلاقات بين أبناء المؤسسة، والصحيح هو استثمار مثل هذه العلاقات في إثراء عمل المؤسسة، بالعمل الدؤوب على رسوخ مبادئ المؤسسة في نفوس أبنائها، وعلى تنمية الجانب التربوي بين أبناء المؤسسة، واستغلال هذه العلاقات في إشاعة جو من المحبة والتعاون على البر والتقوى والحماسة للعمل.

فبعد تراجع المسلمين في حربهم مع أتباع مسيلمة الكذاب عمد خالد بن الوليد لإعادة توزيع الجنود حسب قبائلهم، وقال لهم: لنعلم من أين يؤتى المسلمون، فكان هذا من العوامل التي أدَّت لثبات المسلمين وانتصارهم.

- مبدأ المسار الرأسي والأفقي:

ويقصد بالمسار الرأسي: الترقي الذي يمر به عضو المؤسسة من مستوى إداري أقل لمستوى إداري أعلى، وهو مسار طبيعي كلما اكتسب خبرة في مجال عمله.

ويقصد بالمسار الأفقي: هو التنقل بين الوظائف المختلفة داخل المؤسسة وذلك ليكون ملمًّا بالعمل داخل المؤسسة بشكل شامل، ومدركًا لدورة العمل كاملة، ويستطيع أن يساهم في تطوير عمل المؤسسة ووضع الخطط اللازمة لذلك، وهذا المسار الأفقي من المسارات المهمة التي ينبغي أن يسلكها الأفراد الذين تعدهم المؤسسة ليكونوا مدراء في المستقبل.

قصة فشل:

حدثني بعض الأصدقاء العاملين في أحد الشركات أنه كان له زميل في العمل كلما التحق بقسم من الأقسام طلب رئيس القسم نقله منه؛ لأنه لا يؤدي عمله على أكمل وجه؛ لذلك مَرَّ هذا الرجل على كثيرٍ من الأقسام، فكان في ملفه أنه عمل في كثير من الأقسام.

وبعد فترة عندما أرادوا أن يختاروا رئيسًا للشركة كان من شروط التعيين أن يكون عمل في جميع أو معظم أقسام الشركة، فكان أن اختاروا هذا الموظف! والسبب في ذلك هو الاختيار حسب معيار واحد وترك باقي المعايير.

- ما الخارطة التنظيمية؟

الخارطة التنظيمية هي مخطط يظهر الهيكل التنظيمي الرسمي بما يحتويه من:

- تقسيمات العمل وتفريعاته.

- علاقات الهيكل بين الإدارات المكونة له.

- مستويات الإدارة المختلفة.

- نطاق الإشراف لكل مدير.

- قنوات الاتصال بين مكونات الهيكل صعودًا ونزولًا.

- خصائص التنظيم الناجح:

- التنظيم الناجح هو: التنظيم المنبثق عن مبادئ وأهداف المؤسسة، والذي تتوافق فيه الوظائف من حيث أهميتها، مع الأهداف من حيث أهميتها؛ فلو أن هناك مؤسسة تطوعية صلب أعمالها هو الجانب التعليمي؛ فينبغي أن يكون هيكلها يعبر عن ذلك، وأن تكون أهم الوظائف تعبر عن ذلك، وأن تكون مواردها البشرية والمالية تنفق في ذلك.

- التنظيم الناجح هو الذي تتناسب في السلطة الممنوحة للأفراد مع المسؤولية الملقاة على عاتقهم وأي خلل في ذلك يؤدي إلى تعثر العمل، فلو شئت أن تعرقل عملًا في مؤسسة ما؛ فأعطِ أفرادًا مسئوليات بغير صلاحية، وأعطِ آخرين سلطات دون مسئوليات.

فالفرد الذي يكون له نفوذ وسلطة وغير مطالب بعمل، سيظل دائمًا يريد أن يجرب هذه السلطة ليبرهن للجميع أنه موجود وأن قراره مؤثر، وغالب هذه القرارات تصب في خانة عرقلة العمل.

- التنظيم الناجح هو الذي يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بأن تكون هناك آلية واضحة لتقييم الأفراد وَفْق معايير صحيحة، ومعرفة قدرة الأفراد، فهناك مَن يحسن التخطيط وتحليل المعلومات والاستنتاج، وهناك مَن يحسن التدريس والشرح والتدريب، وهناك مَن يحسن تشكيل وإدارة فرق العمل، وهناك مَن يحسن التحفيز والتحميس لفرق العمل، وهناك مَن يحسن حل المشكلات وزيادة أواصر العلاقات الحسنة بين العاملين، وعلى الإدارة الرشيدة أن تعرف قدرات الأفراد ثم تعرف متطلبات الوظائف وأن تضع لكل وظيفة من يليق بها.

- التنظيم الناجح هو: مَن يحسن استغلال العلاقات الودية والأخوية غير الرسمية بين الأفراد العالمين، لا أن يشعر بالخطر منها، بل يوظفها فيما يحسن من أداء المؤسسة.

- التنظيم الناجح هو الذي يحترم فيه التسلسل الإداري صعودًا وهبوطًا، ولا يتجاوز فرد مستواه الإداري من أعلى أو من أسفل؛ إلا إذا كان يريد أن يشتكي مسئوله؛ فله أن يتجاوز مستواه الإداري المسئول عنه للمستوى الإداري الأعلى. ولا يُتجاوز المستوى الإداري الأدنى سوى لتلقي الشكاوى أو للمتابعة وَفْق آليات واضحة ومتفق عليها.

- التنظيم الناجح هو: الذي ينتج آلية واضحة للفصل في النزاع الإداري الذي ينشأ بين هيئاته، ولا يترك هذه النزاعات تستفحل وتكون سببًا في عرقلة العمل، مع البحث عن جذور هذه المشكلات وعدم الاكتفاء بعلاج الأعراض فقط.

- التنظيم الناجح هو الذي يسد ثغرة التنسيق بين هيئاته، ويدرك جيدًا نقاط الاحتكاك فيعمل على تنعيمها، ويدرك بنقاط الانسداد فيعمل على إزالة ما بها من شوائب.

الصفحة السابقة الصفحة التالية