شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إدارة الأزمات في العمل التطوعي ... فن الاستماع والاستعانة بالخبراء

غريب أبو الحسن • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن سنن الله ماضية في خلقه، ليتقلب الإنسان بين عافية وبلاء، وبين صحة وسقم، وبين غنى وفقر، وعلى الإنسان الرشيد أن يستعد للبلاء في وقت العافية، وعليه أن يغتنم صحته وفراغه وغناه وشبابه قبل تحول هذه الأشياء عنه، والعمل التطوعي هو فضل مِن الله يؤتيه مَن يشاء، فالعمل التطوعي سعادة في الدنيا ونعيم في الآخرة.

وكما أن إدارة العمل التطوعي لا تختلف كثيرًا من حيث الوظائف الإدارية عن باقي الأعمال، كذلك فإدارة الأزمات داخل العمل التطوعي لا تختلف عن إدارة الأزمات في سائر الأعمال.

وسنحاول في الكلمات القادمة أن نتحدث بشيءٍ من الإجمال عن إدارة الأزمات لينتفع بها إخواننا من القائمين على إدارة العمل التطوعي.

ينقسم العنوان لمعنيين، وهو: معنى الإدارة، ثم معني الأزمة، ثم المعنى الثالث من دمج الكلمتين معًا، وهو "إدارة الأزمة"، وهو موضوعنا الذي سنتناوله ببعض التفصيل.

معنى الإدارة:

- الإدارة هي: تحقيق الأهداف عن طريق إدارة فريق عمل بأقل مجهود وأقل تكلفة وفي أقل وقت.

- الإدارة هي: علم وفن، أي هي تُتعلَّم وتُدرس، وقد يحصلها الإنسان بالممارسة العملية والخطأ والتصحيح.

- الإدارة هي: خلاصة تجارب البشر في إدارة شئون حياتهم، ودراسة هذه الخلاصة توفِّر على الإنسان كثيرًا من الوقت والتجارب؛ للوصول للنموذج السليم في الإدارة.

معنى الأزمة:

- عند الإغريق: تغير جوهري ومفاجئ في جسم الإنسان يؤثِّر على وظائفه الحيوية.

- في القرن السابع عشر كان المصطلح يعبر عن توتر العلاقة بين الكنيسة والدولة.

- في القرن التاسع عشر كان المصطلح يعبِّر عن الخلل بين ميزان العرض والطلب.

- في اللغة العربية: الأزم هو العض على الأسنان، والأزمة هي السّنَة المجدبة.

التعريف الاصطلاحي: تهديد خطير أو غير متوقع لأهداف وقِيَم ومعتقدات وممتلكات الأفراد والدول، والتي تحد مِن عملية اتخاذ القرار.

الفرق بين الأزمة وبين المشكلة والكارثة:

- المشكلة هي: تهديد محدود، وقد تتعلق بالأفراد أو المؤسسات، ولا يحتاج حلها لاستنفار كل الجهود.

- الكارثة هي: تهديد كبير، ولكنها تحدث بإرادة الله، ولا دخل للإنسان بها، مثل: الزلازل، والبراكين، والسيول، وغيرها.

أسباب حدوث الأزمات:

- الإدارة العشوائية: فالإدارة بالمزاجية وغياب التخطيط تؤدي لدمار الكيان كله، وليس التأزم فقط.

- تحدث الأزمات بسبب تعارض المصالح: مما يجعل بعض الأطراف تسعى لصناعة أزمة لطرف آخر، مثل: تأزم الوضع بين مصر وتركيا في ليبيا، وفي شرق المتوسط.

- اليأس والقنوط: وصول الإنسان لليأس والقنوط قد يؤدي إلى الإقدام على خطوات غير مدروسة ومتهورة وأحيانًا مجنونة.

- الإفراط بالثقة في النفس وسوء تقدير قوة الآخرين: مثل ثقة بعض الخلفاء العباسيين في الشيعة وما ترتب على ذلك من انهيار للخلافة بسبب خيانات الشيعة، ومثل: عدم تقدير أمريكا لقوة المقاومة الفلبينية.

- سوء الفهم الناشئ عن معلومات مبتورة ثم التسرع في اتخاذ القرار: مثل تعجل بعض البلاد بإغلاق الاقتصاد في بدايات أزمة كورونا، وترتب عليها أعباء اقتصادية فاقت أزمة كورونا نفسها.

- الشائعات: قد تؤدي الشائعات لكثيرٍ من الأزمات؛ خاصة في أوقات الاضطرابات، مثل: شائعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في أُحُد، ومثل كثير من الإضرابات التي وقعت بعد ثورة يناير.

- الرغبة في الابتزاز والتغطية على الأخطاء: مثل حرائق مخازن الشركات.

أنواع الأزمات:

- أزمات زاحفة: وهي أزمات لها مقدمات واضحة تزداد شيئًا فشيئًا، وتتضخم مثل الإعصار الذي كلما مَرَّ على مسطح ماء حمل منه وازداد قوة، مثل: الأزمة المترتبة على تحرير سعر الصرف، أو فرض ضرائب كبيرة، ومثل أزمة حصار الكفار للمسلمين في غزوة الأحزاب.

- أزمات مفاجأة: وهي أزمة لم يكن لها مقدمات مرصودة، مثل: انهيار مفاجئ لأحد مباني المؤسسة، أو حريق في أحد المحاصيل المخزنة.

- أزمات كامنة: وهي أزمات موجودة بالفعل، ولكن ربما تأخر أثرها بعض الوقت، مثلًا: "لعبة الحوت الأزرق" كانت أزمة موجودة في المجتمع، ولكن لم نشعر بها إلا بعد أن بدأ يظهر لها عدد من الضحايا، وهي لعبة على الهاتف تؤدي في النهاية بعد أن تسيطر على من يلعبها ببعض الطرق النفسية إلى الانتحار.

ملامح وخصائص الأزمات:

- يكون للأزمة صفة التهديد الجوهري لأهداف ومصالح الكيان أو المؤسسة.

- وكذلك من صفات الأزمة في غالب الأحيان أنها تكون مفاجئة في السرعة التي تحدث بها، وتكون الأزمة مفاجئة من حيث مكانها ومن حيث زمانها.

- ضيق وقت مواجهة الأزمة والاستجابة لها، والتدخل لعلاجها.

- تتطلب الأزمة التحرك الفوري لتقليل أضرارها، والتأخر يعني المزيد من الأضرار.

- استمرار الأزمة قد يؤدي لسلوكيات مَرَضِيَّة، مثل: القلق، والتوتر، وفقدان العلاقات، والأنانية.

دورة حياة الأزمة:

1- مرحلة ميلاد الأزمة: في هذه المرحلة الأزمة غير موجودة، ولكن ترسل إشارات للإنذار المبكر يدركها أهل الخبرة، وغالب الأحيان تهمل المؤسسات والكيانات هذه الإشارات، ولا تتحرك إلا بعد وقوع الأزمة، وهي نقطة فاصلة للتفريق بين ضعف وقوة المؤسسة.

2- مرحلة نمو الأزمة: تحدث عندما لا ينتبه صاحب القرار لإشارات الإنذار المبكر، فتستقطب الأزمة المزيد من أسباب القوة، ويتسع إطار المتأثرين بها.

3- مرحلة نضج الأزمة: فتصبح الأزمة حديث الجميع ووسائل الإعلام، وهذه المرحلة قد تكون دليل فشل صاحب القرار، وفشل المنظومة الإدارية، وقد يلجأ بعض أصحاب القرار إلى تحمل المسئولية.

4- مرحلة انحسار الأزمة: وفيها تفقد الأزمة قوتها بعد الصدمة الأولى، ويحدث للأزمة نوع من التفتت.

5- مرحلة الاختفاء والتلاشي: تفقد فيها الأزمة قوة الدفع بشكل كامل ثم تتلاشى باقي مظاهر الأزمة.

أساليب التعامل مع الأزمات:

- الأساليب التقليدية: وهي أساليب غير علمية تلجأ لها المؤسسات والكيانات التي تدار بطريقة دكتاتورية في الغالب، وهي أساليب تؤدي إلى اختفاء مؤقت للأزمة، ولا تقدِّم أي حل حقيقي للأزمة.

ومن هذه الأساليب:

الصفحة التالية