شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (60) حقيقة دين إبراهيم عليه السلام وعلاقته باليهودية والنصرانية (5)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقوله تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ‌لِمَ ‌تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 65-68) .

الفائدة الخامسة:

دَلَّ قولُه تعالى: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) على براءة إبراهيم صلى الله عليه وسلم من اليهودية والنصرانية، وأنه كان مسلمًا، وهذا الإسلام -الذي هو دِين الأنبياء جميعًا- قَائِمٌ على توحيد الله، ونفي الشرك عنه وإبطاله، والإيمان برسل الله واتِّباعهم صلى الله عليهم وسلم جميعًا، قال الله عز وجل عن نوح صلى الله عليه وسلم: ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (يونس:72) .

وقال عن موسى صلى الله عليه وسلم: ( ‌وَقَالَ ‌مُوسَى ‌يَا قَوْمِ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌آمَنْتُمْ ‌بِاللَّهِ ‌فَعَلَيْهِ ‌تَوَكَّلُوا ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌مُسْلِمِينَ . فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ) (يونس: 84-85) .

وقال الله تعالى عن فرعون وهو يغرق معلنًا دخول دين موسى عليه السلام وبني إسرائيل: ( حَتَّى إِذَا ‌أَدْرَكَهُ ‌الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (يونس:90) ، وقال سبحانه عن الحواريين في إيمانهم بعيسى صلى الله عليه وسلم: ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) (المائدة:111) ، وقال سبحانه وتعالى: ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:52) .

فهذا الإٍسلام هو دين الله في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ لا يقبل اللهُ غيرَه مِن أحدٍ، وبعد بعثةِ النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوجب اللهُ اتِّباعه على الإنس والجن؛ لم يعد ممكنًا أن يحقق أحدٌ صحةَ الانتسِاب لدين الإسلام إلا بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباعه، واتِّباع الشريعة الخاتمة التي أُنزِلت عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لَوْ كَانَ ‌مُوسَى ‌حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى صلى الله عليه وسلم -عندما ينزل في آخر الزمان حاكمًا بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومبطِلًا لسائر الملل-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم حَكَمًا مُقْسِطًا؛ فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، ‌وَيَضَعَ ‌الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ) (متفق عليه) .

وقال تعالى: ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) (النساء:159) ؛ فسَّرها أبو هريرة رضي الله عنه بإيمان أهل الكتاب قَبْل موت عيسى صلى الله عليه وسلم بعد نزوله الأرض قائدًا وإماما؛ لأمة الإسلام أمةٍ محمد صلى الله عليه وسلم.

الفائدة السادسة:

قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ): يدل على نفي وإبطال الشرك بأنواعِه كلِّها: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، والشرك في الأسماء والصفات؛ فأما الشرك في الأسماء والصفات فهو: بأن يعتقد وصفَ الله بصفاتِ المخلوقين، أو أن يصفَ المخلوقين بصفات الله، أو أن يجحدَ وينفي أسماءَ الله وصفاته الدَّالَّة على كماله.

فأما وصفُ الله بصفات المخلوقين، فهو كما قال الله عز وجل عن اليهود: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ ‌مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) (المائدة:64) ، وقال الله عز وجل عنهم: ( لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ? سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (آل عمران:181) .

وأنكر الله عز وجل على مَن قال اتَّخذ الله وَلَدًا! كما قال سبحانه: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ‌قَاتَلَهُمُ ‌اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (التوبة:30) ، وقال سبحانه وتعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الإخلاص) .

وقال عز وجل عن مشركي قريش: ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ? وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (الصافات:158- 159) .

الصفحة التالية