الملة الإبراهيمية (3) تعظيم الله تعالى لملة إبراهيم عليه السلام
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن شـرف إبراهيم عليه السلام أن أضافه الله تعالى إلى دين الإسلام، ونسب الملة الحنيفية إلى اسمه الشريف فقال: "ملة إبراهيم"، وقد عظَّم الله سبحانه "ملة إبراهيم" بأساليب شتَّى:
- فقد نصَّ على أن جميع الأنبياء من بعده افتخروا بانتمائهم إلى ملة إبراهيم ودعوا قومهم إليها، فقد قال تعالى: "وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ".
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيرها:
"يقول تبارك وتعالى ردًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء: فإنه جرَّد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلم يدعُ معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ مِن كلِّ معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه".
وقال تعالى: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (??) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ"، وقال تعالى: "وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ"، وقال تعالى: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ".
ولهذا وأمثاله قال تعالى: "وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ" أي: عـن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنهـا، "إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ" أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طـريـق مَـن اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد، مِن حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فترك طريقه هذا ومسلكه وملته، واتبع طرق الضلالة والغي؛ فأي سفه أعظم مِن هذا؟! أم أي ظلم أكبر من هذا؟!
وقال أبو العالية وقتادة: "نزلت هذه الآية في اليهود؛ فأحدثوا طريقا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أخذوه"، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ".
وقوله تعالى: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"، أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا، وقوله: "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"، أي: وَصَّى بهذه الملة وهي الإسلام، ولحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا بها أبناءهم مِن بعدهم، أي: أحسِنوا في حال الحياة، والزَموا هذا؛ ليرزقكم الله الموت عليه، فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه.
وقد أجرى الله الكريم عادته بأن مَن قَصَد الخيرَ وُفِّق له ويُسِّر عليه، ومَن نوى صالحًا ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس"، وقد قال الله تعالى: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى"، "أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَ?هَكَ وَإِلَ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
يقول تعالى محتجًا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وصَّى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهـم: "مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَ?هَكَ وَإِلَ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ"، وهـذا مـن بـاب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.
"إِلَ?هًا وَاحِدًا" أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره.
"وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" أي: مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: "وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ".
والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ".
والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها:
