الملة الإبراهيمية (3) تعظيم الله تعالى لملة إبراهيم عليه السلام
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • المنهج السلفي
- قوله صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات دِينُنَا وَاحِدٌ"، وقوله تعالى: "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ"، أي: مضت، "لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ" أي: إن السلف الماضين مِن آبائكم مِن الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم، "وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
وهذا يوسف عليه السلام يفخر بانتسابه إلى ملة إبراهيم، فقد قصَّ الله علينا في حواره عليه السلام مع صاحبي السجن: "قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ".
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في نومهما من حلم، فإنه عـارف بتفسيره، ويخبرهمـا بتأويله قبل وقوعه؛ ولهذا قال: "لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ" قال مجاهد: في نومكما، "إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا"، ثم قال: وهذا إنما هو مِن تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا في المعاد.
"وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ" يقـول: هـجـرت طـريـق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال مَن سلك طريق الهدى، طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين؛ فإنه يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يعلمه، ويجعله إمامًا يُقتدَى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد.
"مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ"؛ هذا التوحيد، وهو: الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، "مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا" أي: أوحاه إلينا، وأمرنا بـه، " وَعَلَى النَّاسِ"؛ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك، "وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيـل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: مَن أكرم الناس؟ قال: "أكرمهم أتقاهم"، قالوا: يا نبي الله، ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله" إلخ.
الجواب الأول: أكرم الناس يوسف من جهة الشرف بالأعمال الصالحة، والثاني: من جهة الشرف بالنسب الصالح.
وقد افتخر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بانتمائه لملة أبيه إبراهيم عليه السلام، "قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ".
يقول تعالى أمرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم -سيد المرسلين-: أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم؛ الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
و"دِينًا قِيَمًا" أي: قائمًا ثابتًا، " مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" كقوله: ""وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ".
وأمر الله تعالى خليله ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة إبراهيم: "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية، فـقـال: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا"، فأما "الأمة" فهو: الإمام الذي يقتدَى به، والقانت هو: الخاشع المطيع، والحنيف هو: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد.
وقوله: "شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ" أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه، كما قال: "وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى"، أي: قام بجميـع مـا أمـره الله تعالى به، "اجْتَبَاهُ" أي: اختاره واصطفاه وهداه إلى صراط مستقيم له، وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.
وقوله: "وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً" أي: جمعنا له خير الدنيـا مـن جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة، "وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ".
وقال مجاهد في قوله: "وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً"، أي: لسان صدق، وقوله: "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا" أي: مِـن كـمالـه وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء: "أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
