شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (61) حقيقة دين إبراهيم عليه السلام وعلاقته باليهودية والنصرانية (6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله عز وجل: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ‌لِمَ ‌تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 65-68) .

الفائدة السابعة:

دَلَّ قوله تعالى: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) على أن الولايةَ الحقيقية لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، والانتسابَ إليه إنما هو في هذه الأمة الإسلامية؛ لأنها التي ورثت متابعة الأنبياء جميعًا، فهي وارثة ولاية مَن اتبعوا إبراهيم صلى الله عليه وسلم على التوحيد مِن الأنبياء والأولياء عَبْر العصور، وورثت اتِّباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلم يعد هناك ولاية لإبراهيم صلى الله عليه وسلم إلا في هذه الأمة الإسلامية.

وأفعل التفضيل في الآية ليس على بابه؛ فهو بمعنى أن ولاية إبراهيم محصورة في الذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، وأما ولاية النَّسب بين بني إسرائيل وبين إبراهيم صلى الله عليه وسلم بحكم الولادة مِن نَسْلِه -إن ثبت نسلُهم إليه-؛ فهي مقطوعة بظلمهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وتكذيبهم لرسول الله عيسى صلى الله عليه وسلم، ومحاولتهم قتله وصلبه، ثم تكذيبهم لرسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين؛ قال تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ ‌لَا ‌يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 124) ، والكفر والشرك أعظم الظلم.

وقال عز وجل: ( ‌وَلَقَدْ ‌أَرْسَلْنَا ‌نُوحًا ‌وَإِبْرَاهِيمَ ‌وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (الحديد: 26) ؛ ولذا لم تبقَ لليهود ولا للنصارى نسبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض قراباته المشركين: ( إِنَّ آلَ أَبِي ‌فُلَانٍ لَيْسُوا ‌بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه) .

بل هذه الأمة هي التي ورتت ولاية موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وسائر الأنبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء لما سألَ اليهودَ في المدينة عن صيامه، فقالوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلهِ، فَقَالَ: ( أَنَا ‌أَوْلَى ‌بِمُوسَى مِنْهُمْ )، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. (متفق عليه) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم: ( أَنَا ‌أَوْلَى ‌النَّاسِ ‌بِعِيسَى، الْأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ ) (متفق عليه) ، فالمسلمون هم أتباع موسى، وهم أتباع عيسى على الحقيقة، كما قال عز وجل لعيسى عليه السلام: ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ‌وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (آل عمران: 55) .

فالذين اتَّبعوا المسيحَ صلى الله عليه وسلم هم أهل الإسلام، هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذا فَرِح أهلُ الكتاب بما أُنزِل إلى الرسول من الكتاب، قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) (الرعد:36) ؛ وذلك لأن وعدَ الله بظهور المؤمنين الحقيقيين بعيسى صلى الله عليه وسلم تحقق ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌كُونُوا ‌أَنْصَارَ ‌اللَّهِ ‌كَمَا ‌قَالَ ‌عِيسَى ‌ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) (الصف:14) .

وإنما حصل ظهورُ أتباع المسيح صلى الله عليه وسلم الحق بظهور دينهم؛ التوحيد دون الشرك بالتثليث، ودون تكذيب عيسى صلى الله عليه وسلم، واتهام أمه بالبهتان العظيم!

فأصبحوا ظاهرين ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وظهور المؤمنين، وظهور الدين الحقيقي لعيسى صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كله إذا نزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان فإنه ينزل في هذه الأمة قائدًا لها، مصليًا صلاتها، مستقبلًا قبلتها، حاكمًا بشريعتها، متَّبِعًا لنبيها صلى الله عليه وسلم؛ أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كَيْفَ ‌أَنْتُمْ ‌إِذَا ‌نَزَلَ ‌ابْنُ ‌مَرْيَمَ ‌فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ )، وفي رواية لمسلمٍ: ( ‌فَأَمَّكُمْ ‌مِنْكُمْ ).

الصفحة التالية