بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبيروبيجان هي عاصمة -وأكبر مدن- منطقة الحكم الذاتي (الأوبلاست اليهودية الذاتية) في روسيا، وهذه المنطقة كثافتها السكانية قليلة؛ تحدها من الجنوب والغرب الصين الشعبية، ومن الشمال الغربي منطقة (أمور أوبلاست)، ومن الشمال الشرقي والشرق أقليم (خابازروفسك).
فما حكاية بيروبيجان (أو إسرائيل الأولى)؟
الوطن اليهودي المنسي، الوطن الأول لليهود من ثلاثينيات القرن الماضي، أي: وطنٌ سبق إعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين المحتلة بستة عشر عامًا، وما زال هذا الوطن باقيًا لهم إلى الآن، وهو قطعًا حل عادل وعملي للقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، بعيدًا عن ظلم الشعب الفلسطيني واضطهاده؛ خاصة وأن مساحة هذا الوطن أكبر من مساحة فلسطين، وحجمه يعادل مساحة سويسرا، أو مساحة بلجيكا، وقد تم تخصيصه ليكون وطنًا قوميًّا لليهود فكان أول وطن تطلع إليه اليهود عمليًّا في العصر الحديث، ولكن رفضته -وترفضه- الصهيونية العالمية التي تسعى جاهدة إلى كتم حقيقة أن هناك bidjan .
بيروبيجان مقاطعة روسية تتمتع بالحكم الذاتي، خُصِّصت لليهود، وهي تقع شرق سيبيريا، خلف نهر (مامو) الذي كان يفصل بين الاتحاد السوفيتي السابق ومنشوريا.
وقد اشتق اسمها من رافدي النهر: (بيرو) و(بيجان)، والإقليم حار صيفًا، وبارد ممطر شتاءً، ويحتوي على منطقة سهلية صالحة للزراعة، ومنطقة جبلية تتوافر فيها غابات كثيفة غير مستغلَة تتوافر فيها أنواع ثمينة من الأخشاب وحيوانات ذات فراء.
والإقليم غني بالموارد الطبيعية؛ خاصة في قسمه الشمالي، وبه العديد من الثروات المعدنية أبرزها: الفحم، والزئبق، والنحاس، والحديد، والذهب، والمرمر، والأحجار شبه الكريمة.
وتوجد بها وفرة مِن مياه الري من خلال أنهار كثيرة كبيرة وصغيرة وبحيرات، ويتركز سكانها في جزئها الشمالي، وجزئها الجنوبي، وهذه المقاطعة ضمتها روسيا إليها عام 1858، وهي حاليًا جزء من إقليم خباروفسك.
بداية القصة:
أخذت حدود الاتحاد السوفيتي شكلها النهائي عام 1920، ونتيجة استقلال العديد من دول أوروبا الشرقية صار هناك عدد كبير من اليهود داخل مناطق الاتحاد السوفيتي؛ 80 % منهم في أوكرانيا وروسيا البيضاء.
وقد أعطت الحكومة البلشفية اليهود حقوقًا سياسية، بل أصبحت معاداة اليهود جريمة، وأصبح من حق المواطن اختيار انتمائه العرقي باختياره المحض، واستند تحديد الانتماء القومي إلى اللغة التي يحدد المواطن أنها لغته القومية.
ثم رأت الحكومة البلشفية توجيه يهود روسيا نحو الزراعة والاستيطان الزراعي استمرارًا لمحاولات الحكومة القيصرية من قبل، والتي استهدفت تحويل اليهود إلى عنصرٍ منتجٍ؛ لذا أسست لجنة الاستيطان الزراعي اليهودي (كوزمت)، وقد طبِّقت التجربة أولًا في أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم حيث توجد الأماكن الصالحة للزراعة.
وقد وصلت التجربة إلى قمة ازدهارها في أواسط الثلاثينات، لكن رأى المسئولون السوفيت أن شبه جزيرة القرم لا توجد فيها أرض زراعية كافية، كما أن السكان المحليين عارضوا عملية توطين اليهود بينهم، كما أن تركيز العنصر اليهودي في هذه المنطقة الإستراتيجية القريبة من غرب أوروبا قد يؤدي إلى خلق مشاكل ذات طابع أمني في المستقبل؛ مما أدَّى إلى تراجع التجربة والقضاء عليها.
وقد تلا ذلك اتجاه الحكومة البلشفية إلى مشروع جديد لدمج اليهود وتذويبهم، وهو ما يمكن تسميته: بـ(ترويس) اليهود، أي: جعلهم مواطنين روس.
وقد بدأ المشروع في عام 1928 عندما وقع اختيار الحكومة السوفيتية على منطقة بيروبيجان لتشجيع التوطين اليهودي في الإقليم التابع له، وهو إقليم قليل الكثافة السكانية، كان يسكنه وقتها نحو 27 ألف نسمة على اتساعه.
وذلك لتحقيق عدة أهداف سوفيتية، منها:
- زيادة الكثافة السكانية في تلك المنطقة ذات الحدود مع الصين واليابان.
- تعمير كل أرجاء الاتحاد السوفيتي خصوصًا الأطراف.
- زيادة تكيف اليهود مع النظام السوفيتي الجديد.
بالإضافة إلى تحقيق أهداف أخرى خارجية سياسية، منها:
- إحباط دعاية العناصر اليهودية المعادية للسوفييت.
- كسب تأييد يهود العالم؛ خاصة يهود الولايات المتحدة الأمريكية.
- الاتجاه إلى تحسين العلاقات مع الغرب في تلك الفترة.
(ونظرًا لكل هذه الاعتبارات قررت القيادة السوفيتية: أن تمنح اليهود إقليمًا خاصًّا بهم حيث يكون بمقدورهم أن يطوروا ثقافتهم وتقاليدهم الخاصة في إطار قومي ومحتوى اشتراكي، فيصبح مركزًا للثقافة اليهودية (اليديشية) ومجالًا لتحقيق هوية اليهود؛ باعتبارهم أقلية شرق أوروبية أو قومية يديشية).
(وقد تم تشكيل جهازين للإسراع في تنفيذ المشروع، وصدر مرسوم مارس 1928 متضمنًا تخصيص جميع الأراضي في منطقة بيروبيجان للمستوطنات اليهودية مع منحة المنطقة صفة (دائرة قومية يهودية)؛ رغم أنها لم تكن تضم أي يهود آنذاك! كما نص المرسوم صراحة على أن المنطقة ستتحول إلى مقاطعة يهودية ذات حكم ذاتي إذا ما سار التوطن اليهودي بنجاح فيها.
وفي القانون السوفيتي: تعتبر المقاطعة ذات الحكم الذاتي وحدة إدارية تتمتع بشيء من الكيان الذاتي، والمفروض أنها تمثِّل كيانًا مستقلًا لمنطقة معينة تحوي سكانًا من قومية واحدة لا يكفي عددهم لتأليف جمهورية مستقلة) (راجع في ذلك: (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) د. عبد الوهاب المسيري - ط. دار الشروق، 1/ 388 بتصرفٍ) .
