شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وبالفعل في عام 1928 وصلت أول دفعة من اليهود السوفيت قوامها: 950 شخصًا إلى بيروبيجان، وخلال 5 سنوات هاجر إليها نحو عشرين ألف شخص، لكن عاد منهم اثنا عشر ألفًا، أي: بقي في المنطقة ثمانية آلاف فقط؛ مما يشير إلى احتمالية عدم نجاح تنفيذ المشروع، ولكن في أعقاب احتلال اليابان لمنشوريا -المتاخمة لبيروبيجان- عام 1932 أعلنت السلطات السوفيتية في مايو 1934 رسميًّا منح منطقة بيروبيجان صفة (مقاطعة يهودية ذات حكم ذاتي)؛ هذا رغم عدم وجود أبرز شروط منح صفة المقاطعة ذات الحكم الذاتي حسب الدستور السوفيتي، وهو وجود أغلبية من سكان قومية معينة، وهي صفة لم تكن لم تكن متوفرة لليهود وقتها في منطقة بيروبيجان؛ ولهذا وضعت الحكومة السوفيتية لتشجيع هجرة اليهود خطة جديدة لتوطين اليهود من خلال اختيار الكفاءات بدل الهجرة الطواعية العشوائية، لكن عدد اليهود خلال الثلاث سنوات التالية -حتى عام 1937- لم يتجاوز عشرين ألف نسمة، بما يشكِّل نحو 24 % من السكان.

وفي السنوات السابقة للحرب العالمية الثانية -وخلال سنوات هذه الحرب- تعرَّض مشروع التوطين لحالةٍ من الجمود؛ خاصة وقد قاد (ستالين) في هذه الفترة حملة تطهير في الحزب الشيوعي، والدولة شملت العديد من القيادات، منها قيادات يهودية.

تقييم التجربة ونتائجها في تلك الفترة:

كان مشروع الاستيطان الزراعي اليهودي في بيروبيجان إحدى الوسائل الرامية إلى محاولة دمج اليهود في المجتمع السوفيتي على المستويين: الاقتصادي والثقافي، من خلال توجيه اليهود للتحول من المدن وممارسة التجارة، إلى العمل في قطاع الزراعة، أي: تحويل اليهود من طبقة بورجوازية منعزلة غير منتجةٍ إلى طبقة عاملةٍ منتجةٍ، ومندمجةٍ في المجتمع، وهو ما كان يتحدث عنه دائمًا الصهاينة الاشتراكيون (البوند).

والبرجوازية: تصنيف اجتماعي أطلقه السياسيون وعلماء الاجتماع في أوروبا على الطبقة التي كانت تملك وسائل الإنتاج الصناعي أو الزراعي، وأحيانًا على الطبقة الوسطى من الرأسماليين، وهذه الطبقة مذمومة في نظر الماركسية.

حزب البوند:

مع مطلع القرن العشرين اشتعلت الفوضى والمشكلات داخل روسيا القيصرية، وانتشرت الأفكار الاشتراكية الماركسية، وساهم يهود روسيا فيها بتأسيس الحزب الاشتراكي الثوري، وغيره من الحركات، وخلال عام 1905 حدثت سلسلة من الاغتيالات والاعتقالات تعرَّض لها مَن شارك في الثورة -ومنهم اليهود- إلى الاضطهاد، فكان حل الأحزاب اليهودية وحظر نشاطها، ومنع المراسلات باليديشية، ومصادرة المطبوعات التي تستخدم فيها اللغة العبرية.

ورغم محاولة قيصر روسيا وقتها إنقاذ الأوضاع من خلال إجراءات إصلاحية؛ إلا أن القوى الثورية المناوئة لم تلتفت إلى ذلك، وتجمَّعت واستطاعت عزل القيصر عام 1917، واستلم الشيوعيون الحكم، فيما عُرِف بثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 1917. (راجع في ذلك: (إسرائيل الأولى: بيروبيجان) دكتور أسعد السحمراني - أستاذ العقائد والأديان المقارنة - جامعة الإمام الأوزاعي - بيروت - دار النفائس، ط الثانية 1425 هـ - 2004، ص 18- 19) .

وكان بعض اليهود ممن تبنوا اندماج اليهود في الإمبراطورية الروسية -أو سواها من دول أوروبا- مع المحافظة على الثقافة الخاصة باليهود، قد تبنوا الفكر الاشتراكي، وجمعوا بين الفكرة الصهيونية الحديثة بعد ظهورها على يد هرتزل وبين الاشتراكية؛ فتحول عددٌ مِن اليهود إلى الماركسية عرفوا بالطبقة الثورية، وشكلوا اتحادًا عامًّا للعمال اليهود المنتشرين في روسيا وبولندا وليتوانيا (البوند)، الذين عرضوا أنفسهم على أنهم يعملون لثورة اشتراكية عالمية تسعى لإنشاء مجتمع تسوده المساواة والعدالة (راجع المصدر السابق، ص 26 – 27) .

لقد كان هدف الحزب الشيوعي: أن يكون لليهود السوفيت إقليم خاص يتمتع بالحكم الذاتي، تتفاعل فيه الثقافة العلمانية التي تستخدم اللغة اليديشية مع الاشتراكية الماركسية المطبقة حديثًا، ومن خلال تعليم علماني (لا ديني)؛ لتكوين يهود يكون لهم دورهم الوطني السوفيتي، وكان ذلك في رأيهم حلًّا عمليًّا لمشكلة اليهود في روسيا وشرق أوروبا، وهم أغلبية اليهود في العالم وقتها.

ولم يخلو الوضع من غرابة؛ ففي الوقت الذي كان لينين يعادي المسلمين والمسيحيين ويعادي الـدِّين؛ فها هو يأمر بخصوصية لليهود، ويشجِّع الاستيطان اليهودي في إقليم خاص بهم، وهذا يشير إلى مقدار ما كان عليه نفوذ اليهود في السلطة السوفيتية وقتها (راجع المصدر السابق، ص 21) .

ولكن هذه الخطوة رغم ما حققته من دمج لليهود؛ فقد جاءت متناقضة مع التحول الكبير في الاقتصاد السوفيتي من الزراعة إلى الصناعة من خلال مشروع السنوات الخمس (1929 إلى 1934)؛ فقد أكَّد مشروع السنوات الخمس أهمية التنمية الصناعية التي خصصت لها الاعتمادات الضخمة، وزاد معها الطلب على الأيدي العاملة؛ مما ساهم في تحول الجماعات اليهودية إلى عنصر منتج، لكن من خلال الصناعة إذ قامت المنظمات اليهودية التوطينية -مثل جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) ومنظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) ولجنة التوزيع المشتركة- بفتح مدارس لتدريب اليهود على الحِرَف.

كما قامت حكومات أوكرانيا وروسيا البيضاء بفتح مدارس لتدريب الشباب اليهودي على الصناعة؛ مما أدَّى إلى توفير أعمال في القطاع الصناعي والحكومي، وهجرة الآلاف من اليهود إلى داخل روسيا في المدن الواقعة خارج منطقة الاستيطان في بيروبيجان؛ حتى إنه لم تكن هناك بطالة بين اليهود بحلول عام 1930، وظهرت بين يهود روسيا طبقة جديدة من الموظفين والعاملين الحكوميين في المشاريع الصناعية؛ مما ساهم في استيعاب هؤلاء اليهود ودمجهم في روسيا، أي: حل المسألة اليهودية التي عانت منها روسيا القيصرية من قبل.

وظهر بوضوح أثر ذلك في زيادة عدد اليهود في مدينتي: موسكو وليننجراد -وهما أكبر مدينتين روسيتين- إلى نحو 575 ألفًا عام 1937، بعد أن كان عدد اليهود فيهما عام 1897 نحو 26 ألف يهودي فقط!

الصفحة السابقة الصفحة التالية