شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وتغيَّر وضع اليهود الوظيفي؛ فصار عدد العمال اليهود عام 1939 نحو: 6و30 % من اليهود العاملين، وعدد الحرفيين: 1و10 %، وعدد الفلاحين: 8و5 %، أي: أن نحو نصف العاملين من اليهود صاروا من العمال والفلاحين، بينما بقي نحو 6و40 % من اليهود العاملين في الوظائف الكتابية، وبقي 9و2 في وظائف أخرى؛ بما يعني أن الوظائف الكتابية لليهود حلَّت محل التجارة التي كانت قبل ذلك أهم وظيفة يضطلع بها اليهود.

أما في الجانب الثقافي: فكان هدف السلطات الروسية يرمي إلى الدمج الثقافي لليهود، أو تأكيد الثقافة اليديشية العلمانية اللادينية بعيدًا عن الثقافة الدينية اليهودية، أي: تشجيع اللغة اليديشية لتكون وسيلة للتعبير عن ثقافة يهودية علمانية؛ لذا أنشأت الحكومة السوفيتية عام 1918 قسمًا خاصًّا للشئون اليهودية هدفه نشر ديكتاتورية البروليتاريا بين الجماهير اليهودية، بتأييد دعاة الاندماج من اليهود أعضاء الحزب الشيوعي، ومَن وافقهم وانضم إليهم من قطاعات العمال اليهود.

وقد قام قِسْم الشئون اليهودية بتصفية الأطر التعليمية التقليدية بين اليهود: كالمدارس، والمعاهد، ومنعت التدريس بالعبرية، وتجريم النشاط الصهيوني.

وفي المقابل: أُنشئت مدارس ابتدائية وثانوية لغة التدريس فيها اليديشية؛ بالإضافة إلى كليات تربوية لإعداد معلِّمين لليديشية، وقد اعترف في هذه الفترة باللغة اليديشية لتكون إحدى اللغات المعترف بها في المحاكم، كما تم تشجيع الأدب اليديشي "خاصة المسرح"؛ مما جعل هذه الفترة تشهد ازدهارًا لهذا الأدب.

ورغم إقبال الطلاب اليهود على المدارس التي يتم فيها التدريس باللغة اليديشية أول الأمر؛ إلا أن أعداد الطلبة اليهود بدأت في الانخفاض تدريجيًّا نتيجة الإقبال على المدارس الحكومية الروسية لتوفر فرص العمل بعدها؛ خاصة مع تغير الأوضاع الوظيفية لليهود وزيادة هجرتهم إلى المدن؛ لذا ازدادت أعداد الطلبة اليهود في المدارس الحكومية في أوكرانيا، وفي روسيا البيضاء على حساب اللغة والثقافة اليديشية، وانصرف كثير من اليهود عن التحدث باليديشية أو دراستها، وانصرف كثير من الكتاب اليهود الروس من الكتابة باليديشية إلى الكتابة بالروسية، وتقلص عدد الطلبة اليهود الذين يدرسون في المدارس اليديشية إلى 33 % في عام 1931، ثم إلى 20 % في عام 1939، ومِن ثَمَّ أغلقت عدة مدارس يديشية بسبب ذلك، وعليه تزايدت وتيرة اندماج اليهود في المجتمع الروسي، وتزايدت نسبة الزواج المختلط بين اليهود وغير اليهود في الزيجات اليهودية.

أما حملات التطهير التي شنها ستالين بين عامي: 1936 و1939 داخل قيادات وكوادر الحزب الشيوعي السوفيتي في تلك الفترة، والتي طالت قيادات وأعضاء من اليهود؛ فلم تترك أثرًا ملحوظًا على عملية (ترويس اليهود)؛ إذ نظر إليها غالب اليهود في روسيا على أنها مجرد صراع بين ستالين ومعارضيه (انظر (للاستزادة: "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، 1 / 478 - 488) .

موقف الحركة الصهيونية من المشروع:

عارضت الحركة الصهيونية العالمية مشروع توطين اليهود في بيروبيجان منذ البداية؛ رغم أنه كان حلًّا مناسبًا وسهلًا للمسألة اليهودية في روسيا وأوروبا؛ تارة بدعوى أن المنطقة غير مناسبة، مطالبة بالقرم أو أوكرانيا بديلًا لها، وتارة بدعوى أن اليهود لم يمارسوا الزراعة إلا حديثًا، أو أن المكان ليس له أية دلالة تاريخية لليهود.

والحقيقة أن المشروع كان يضعف أطماع الفكرة الصهيونية المتطلعة إلى إقامة وطن قومي استعماري لليهود في فلسطين بتأييد من الغرب، وفي مقدمته: بريطانيا صاحبة "وعد بلفور" (وهو ما يثبت أن الصهيونية لم تستهدف حل المشكلة الملحة عند اليهود بقدر ما استهدفت تحقيق أساطير بعضهم! ومن ناحية أخرى: فإن مشروع بيروبيجان كان امتدادًا لأفكار (البوند)، أي: التعبير عن الخصائص الذاتية اليهودية في إطار الدولة الاشتراكية، ومع هذا فقد رفضته الحركة الصهيونية عامة والصهيونية الاشتراكية خاصة.

ومن جانب ثالث: فإن الحركة الصهيونية قد عارضت المشروع؛ رغم أن السوفيت كانوا يهدفون منه إلى تحويل اليهود من طبقة بورجوازية منعزلة غير منتجة إلى طبقة عاملة مندمجة في المجتمع ومنتجة، وهو ما تحدث عنه الصهاينة الاشتراكيون دائمًا.

وأخيرًا: فإن مشروع بيروبيجان قد أثار من جديد الخلاف القديم بين يهود العالم حول ما عُرِف بقضية اليهود الإقليمية؛ ولهذا فقد أيدت المشروع بعض الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة، وغرب وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وكان من بينها: لجنة التوزيع الأمريكية اليهودية المشتركة (جوينت)، والمؤسسة الأمريكية اليهودية المشتركة للزراعة (أجروجوينت)، والجمعية الأمريكية للتوطين اليهودي في الاتحاد السوفيتي (وقد عُرِفت باسم: (إيكور)، أي: فلاح بالعبرية)، في حين عارضته كل اتجاهات الحركة الصهيونية باعتباره تجسيدًا لفكرة قومية الدياسبورا (القومية اليديشية)، ولكن في ظل نظام اقتصادي مختلف) (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 1/ 389- 390) .

الأوضاع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية:

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية أظهر اليهود حماسًا للتوطن في بيروبيجان، فبلغ عدد اليهود في منتصف 1948 نحو خمسة وثلاثين ألفًا، منهم مَن جاء خلال هجرة منظمة، ومنهم من جاء هربًا من القوات النازية الزاحفة نحو موسكو، ومنهم مَن جاء بحثًا عن مكان جديد يبدأ فيه حياة جديدة.

وفي هذه المرحلة من التوطين (تمت تنمية الطابع اليهودي اليديشي للمقاطعة، فأُنشئِت مزارع جماعية يهودية ومجالس فرعية، واستخدمت اليديشية كلغة رسمية، وأسس مسرح يديشي ومكتبة عامة)، (كما أقيمت مؤسسة طباعة عصرية، وصنعت آلات كاتبة بالحروف التي تكتب بها اللغة اليديشية) (راجع المصدر السابق، ص 389 بتصرف) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية